كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهم على أربعمائة درهم من شاء أن يعطي من ماله ما أحب، قال أبو يعلى: وأظنه قال: فمن طابت نفسه فليفعل." [1] "
إن هذه الواقعة تبيّن مقدار مساحة حرية الرأي وحرية التعبير في الإسلام، والضامن الأساسي لهذه الحرية هو الشورى. لأنه لا تكون الشورى إلا إذا توافرت مناخات كافية لحرية إبداء الرأي، وإذا ما حصل القمع والمنع فإن الشورى تصبح معطلة.
يقود هذا إلى القول: إن حرية التعبير مطلب إنساني، وواجب إسلامي والحوادث منذ عهد النبوة إلى يومنا هذا أكثر من أن تحصى، وعند كل واقعة نجد الآراء تطرح بكل حرية حتى لو كانت في مستوى الإعتراض كما حال المرأة مع الفاروق بشأن المهور.
وإذا كان بعضهم قد مارس المنع والصدّ عن إبداء الرأي فإن ذلك يكون مخلفة للإسلام، وهو محسوب على فاعله. والأمر في ذلك إسلاميًا أكثر تحريضًا على اتخاذ الموقف والتعبير عنه. وفي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا رأيت أمتي تهاب الظالم أن تقول له: إنك ظالم، فقد تودّع منها." [2]
هل حرية التعبير المطلقة ممكنة؟
إن حرية التعبير تحتاج إلى وقفة دقيقة لتحديد الأمور لأن الإنسان محدود القدرات، يعيش في مجتمع، وله من شريعته أحكام وحدود، لذلك لا مكان في حياة أي إنسان لشيء اسمه حرية التعبير المطلقة، وإنما مسألة حرية التعبير كسواها من المتعلقات بحياة الإنسان إنما هي مسألة احتمالية تختلف من إنسان لآخر، ومن مرحلة في عمر الإنسان إلى مرحلة أخرى، ومن دين لآخر، ومن مجتمع ولآخر، ومن موقع للفرد إلى آخر، ومن قدرات وكفايات يتمتع بها الشخص إلى مستوى آخر من القدرات والكفايات ... الخ، ويمكن إجمال العوامل التي تقيّد الفرد أو تضبط التعبير عنده بما يلي:
1 -الحياة النفسية: من مأثور القول:"لله در الإنسان فإنه عالم أصغر انطوت فيه أسرار العالم الأكبر."لذلك وقف الدارسون بحيرة أمام فهم الحياة النفسية للإنسان، وقد ذهبوا مذاهب شتى في الفلسفة، وعلم النفس، وتباعدت مدارس الفلسفة بين الوعي واللاوعي، وبين الظاهر والباطن، وبين الغريزة والفطرة أو الإكتساب والتعلم، أو الإلهام والإشراق والحَدْس. هذا قليل من كثير تنوع المواقف بشأن قوى النفس البشرية ووجوه الإدراك فيها، وهنا يبرز السؤال: هل من الصواب القول أن الإنسان يعبّر عن كل ما يجول في ذاته؟ هل الصراحة المطلقة موجودة؟ الكل يعلم بأن الإنسان يختزن في ذاته الكثير من المفاهيم، والغرائز، والمطالب، ووجوه المعاناة، ولا يعلنها لأحد بل يكبتها ويخفيها عن أقرب الناس إليه، لأن إعلانها قد يحرجه، أو يجلب له الخجل، أو يخاف أذى قد يأتيه بسبب ذلك. لكل هذا يكون الصحيح بأنه لا شيء اسمه التعبير المطلق وإنما الأمر احتمالي يتلون، ويتنوع، ويختلف، وحالة واحدة لحرية التعبير.
(1) ... ابن كثير الدمشقي، الحافظ أبو الفداء، تفسير القرآن العظيم، ج 1، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 1، سنة 1414 هـ - 1994 م، ص 431.
(2) ... أخرجه الإمام أحمد في مسنده، والطبراني والحاكم في المستدرك.