خلفية الموضوع
يلحّ قبيل من الناس على طرح مسألة حرية الرأي، وحرية التعبير في مواجهة حالات من الإستبداد والتسلط التي تقمع الحريات، وتكم الأفواه، لأن المستبد الذي يستبيح الحرمات، وخصوصيات الآخرين، أو ينفرد بالسلطة مستأثرًا ومستثمرًا لقدرات البلاد، يخاف الكلمة الحرة، ويرى في صاحبها عدوًا.
وقد تنوعت أساليب قمع الحريات بعد تطور وسائل الإعلام والإتصال، من الرقابة على الهاتف بالتنصت والتسجيل، إلى الرقابة على شبكة المعلومات الدولية (انترنيت) ، إلى وقف الصحف أو منع دخولها، إلى وسائل الإعلام المرئية والمسموعة ومنع بثّها، أو إغلاق مكاتب مراسليها.
الإسلام بالمقابل أعطى حق التعبير وحرية الرأي لكل مواطن ما دام نقده أو اعتراضه أو موقفه سليمًا، وهو تصويب لخطأ، أو إبراز لحقيقة وهناك أكثر من حادثة أو نص تؤكد كيف أن الإسلام دعا إلى إطلاق الحريات، ومن ذلك حادثة مراجعة المرأة للخليفة عمر رضي الله عنه. الحادثة مدارها الآية الكريمة: {وآتيتم إحداهن قنطارًا فلا تأخذوا منه شيئًا أتأخذونه بهتانًا وإثمًا مبينًا.} [1]
"خطب عمر رضي الله عنه فقال: ألا لا تغالوا في صَدُقات النساء (المهور) فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا بناته فوق اثنتي عشرة أوقية."
فقامت إليه امرأة فقالت: يا عمر، يعطينا الله وتحرمنا؟! أليس الله سبحانه وتعالى يقول: {وآتيتم إحداهن قنطارًا فلا تأخذوا منه شيئًا} فقال عمر: أصابت امرأة وأخطأ أمير.
وفي رواية: فأطرق عمر ثم قال: كل الناس أفقه منك يا عمر، وفي أخرى: امرأة أصابت ورجل أخطأ، والله المستعان." [2] "
وجاء حول الآية عند ابن كثير:"ركب عمر بن الخطاب منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: أيّها الناس ما إكثارما في صداق النساء، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والصَدُقات فيما بينهم أربعمائة درهم، فما دون ذلك، ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها."
فلأعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم، قال: ثم نزل، فاعترضته امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين نهيت الناس أن يزيدوا من مهر النساء على أربعمائة درهم؟ قال: نعم. فقالت: أما سمعت ما أنزل الله يقول: {وآتيتم إحداهن قنطارًا} الآية؟ فقال: اللهم غفرًا، كل الناس أفقه من عمر، ثم رجع فركب المنبر فقال: أيّها الناس إنّي
(1) ... سورة النساء، الآية 20.
(2) ... القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، ج 6، تحقيق د. عبد الله بن المحسن التركي وشارك فيه محمد رضوان عرقسوسي، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط 1، سنة 1427 هـ - 2006 م، ص 163.