الصفحة 9 من 28

الظروف المحيطة والبيئة المؤهلة لمثل هذا الحوار الذي هو ضرورة حتمية بين أبناء البشر الذين يتطلعون دائمًا إلى حرية التعبير، لذلك كان لا بد من استخدام العقل المنضبط بالشرع في آلية الحوار، ويتضمن القرآن الكريم والسنة المطهرة الكثير من النصوص التي تؤكد بوضوح حرية التعبير، وتأكيد أمرين لا ينفصلان هما: أن القرآن يقر بتعددية الآراء وكثرة تنويعها، حيث يقول جل شأنه: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} [1] ، أي أن الاختلاف بين البشر هو أمر إيجابي وهو يحدث بمشيئة الله تعالى، فإذا ما حدث الاختلاف في الآراء والأفكار يجب أن يُرد ذلك كله إلى كتاب الله تعالى، فيقول الله تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [2] ، أي إذا ما وجد اختلاف أو نزاع سياسي أو ديني أو اجتماعي فيجب العودة إلى القرآن والسنة المطهرة لحل هذا الاختلاف. ولكن في كل الأحوال يجب أن تكون هناك آراء متعددة في المجتمع الإسلامي تعكس تنوعه وتياراته الفكرية، {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} [3] .

ومن هذا المنطلق نجد أن المجتمع (رجالًا ونساءً) متمتع بالحرية في التعبير عن آرائهم ومواقفهم حيث يقول تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [4] ، أي أن المجتمع الإسلامي بشقيه الرجولي والنسوي يتمتع بحرية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي لا يقتصر على الأمور الدينية والعبادات والعقائد بل كل النشاطات.

وإن المتتبع لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كيفية استخدام حرية التعبير يجد الكثير من الأمثلة في ذلك لأن المقصد من الحوار هو إيصال المعلومة للآخر بأحسن الطرق وأيسرها، فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحاور نصارى نجران في مسجده ويعرض عليهم المباهلة دون قيد أو حجر على فهم ولكن ليتسع عقلهم للدين الجديد، وهذا الحوار استند فيه - صلى الله عليه وسلم - إلى قول الحق سبحانه: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [5] .

(1) سورة هود، الآية 118.

(2) سورة النساء، الآية 59.

(3) سورة الزمر، الآية 18.

(4) سورة التوبة، الآية 71.

(5) سورة آل عمران: الآية 61.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت