الصفحة 10 من 28

يقول ابن عاشور: «وهذه المباهلة لعلّها من طرق التناصف عند النصارى فدعاهم إليها النبي - صلى الله عليه وسلم - لإقامة الحجة عليهم ... وهذه دعوة إنصاف لا يدعو لها إلاّ واثق بأنه على الحق. وهذه المباهلة لم تقع لأنّ نصارى نجران لم يستجيبوا إليها» [1] .

فلو نظرنا في هذه الحادثة لوجدنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استخدم العقل في حرية التعبير المقيد بالشرع وقال لوفد النصارى هذا البرهان، ولعلمهم السابق بأن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - على حق لم يأتوا لهذه المباهلة حتى لا يقع عليهم العذاب، ويكون سيئه عند النصارى من بعدهم، فأخذوا جانب العقل وابتعدوا عن هذه المباهلة ولم يحضروا.

فدلت مسألة المباهلة مع وفد النصارى على أن الحوار مع غير المسلمين، «تحكمه ثوابت الإسلام وأصوله وقيمه، فكل موضوع أو مقصد يتعارض مع قيم الإسلام فهو مرفوض ابتداءً، ومحظور شرعًا ولا ينبغي لأي مسلم أن يخوض فيه إلا من اضطر وقلبه مطمئن بالإيمان، والقرآن وضع لنا - نحن المسلمين - آدابًا وقيمًا للتعامل مع أهل الكتاب والتحاور والتعايش معهم» [2] ، ودعوتهم بحكمة فيها نور الحقيقة وصدق الإيمان، وهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتحاور مع غيره بالحوار المباشر أو بالمكاتبة.

فأما بالحوار المباشر فكما فعل - صلى الله عليه وسلم - مع عدي بن حاتم، قال عدي: لما قدمت المدينة، وقد كان يبلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إني لأرجو أن يجعل الله يده في يدي قال: فانطلق بي إلى رحله، وألقت لنا الجارية وسادةً - أو قال: بساطًا - فجلسنا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أتنكر أن يقال: لا إله إلا الله، فهل من إله غير الله؟! قال: قلت: لا. قال: فتنكر أن يقال: الله أكبر، فهل شيء أكبر من الله؟! فقلت: لا. قال: فإن اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضلال، قلت: فإني مسلم، قال: فرأيت وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استبشر لذلك واستنار لذلك [3] .

و عن أبي عبيدة بن حذيفة قال: كنت أسأل عن حديث عدي بن حاتم وهو إلى جنبي

لا آتيه فأسأله، فأتيته فسألته فقال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث بعث فكرهته أكثر ما كرهت شيئًا قط، فانطلقت حتى كنت في أقصى الأرض مما يلي الروم فقلتُ: لو أتيت هذا الرجل فإن كان كاذبًا لم يخف علي، وإن كان صادقًا اتبعته، فأقبلتُ فلما قدمت المدينة استشرف لي الناس وقالوا: جاء عدي بن حاتم، جاء عدي بن حاتم.

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لي: يا عدي بن حاتم أسلم تسلم.

قال: قلت: إن لي دينًا.

(1) التحرير والتنوير لابن عاشور، في تفسير سورة آل عمران، الآية 161.

(2) الحوار مع الآخر، للشيخ عمر الديب وكيل الأزهر الشريف سابقًا.

(3) رواه الطيالسي في مسنده (1040) ، ورواه ابن ماجه في سننه (1/ 34) مختصرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت