قال: أنا أعلم بدينك منك - مرتين أو ثلاثًا - ألست ترأس قومك؟
قال: قلت: بلى.
قال: ألست تأكل المرباع؟
قال: قلتُ: بلى.
قال: فإن ذلك لا يحل لك في دينك.
قال: فتضعضعت لذلك.
ثم قال: يا عدي بن حاتم، أسلم تسلم فإني قد أظن - أو قد أرى، أو كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ما يمنعك أن تسلم خصاصة تراها من حولي، وتوشك الظعينة أن ترحل من الحيرة بغير جوار حتى تطوف بالبيت، ولتفتحن علينا كنوز كسرى بن هرمز، وليفيضن المال - أو ليفيض - حتى يهم الرجل من يقبل منه ماله صدقة.
قال عدي بن حاتم: فقد رأيت الظعينة ترحل من الحيرة بغير جوار حتى تطوف بالبيت، وكنت في أول خيل أغارت على المدائن على كنوز كسرى بن هرمز، وأحلف بالله لتجيئن الثالثة إنه لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لي [1] .
وأما بالمكاتبة فكتابه - صلى الله عليه وسلم - إلى (هرقل) ملك الروم: «بسم الله الرحمن الرحيم، مِنْ محمد بن عبد الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى: أما بعد؛ فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أَسْلِمْ تَسْلَمْ يؤتك الله أجرك مَرَّتين، فإن توليت فإنما عليك إثم الأرِيْسِيِّن {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} » .
وكذلك كتاب أمير بصرى: حيث أرسل عليه الصلاة والسلام الحارث بن عمير الأزدي بكتاب إلى أمير بُصرى، فلما بلغ مؤتة - وهي قرية من عمل البلقاء بالشام - تعرَّض له شرحبيل بن عمرو الغساني، فقال له: أين تريد؟ قال: الشام، قال: لعلك من رُسُل محمد؟ قال: نعم، فأمر به فضُرِبَتْ عنقه، ولم يُقْتَل لرسول الله عليه الصلاة والسلام رسول غيره، وقد وَجَد [2] لذلك وجدًا شديدًا.
على ضوء ما تقدم يتضح لنا أن الإسلام أوجد هذه الحرية الفكرية في التعبير حسب الضرورة النازلة فيتعامل معها بعقل منضبط بضوابط الشرع؛ لأن الإسلام له فلسفة خاصة في حرية التعبير بصفته دينًا يحافظ على القيم التي يحتاجها كل عاقل ويرجع إليها كل
(1) رواه أحمد في مسنده (4/ 258) ، وابن حبان في صحيحه (6679) .
(2) الوَجْد: شدة الحزن.