زائغ، ولو نظر غير المسلم نظرة فاحصة لدين الإسلام لوجد فيه مطالبه في حرية التعبير وفن الخطاب، لأنه دين الكمال الذي حفظ أموال مخالفيه وأنفسهم، وكفل لهم حق الانتصاف ممن أرادهم بسوء ولو كان هذا المعتدي مسلمًا. وهذه العدالة لا توجد في أي دين أو قانون وضعي اليوم، أما الإسلام فجاء بهذا القانون الرباني الذي كفل حرية الاعتقاد وحرية القول والعمل لكل إنسان، وهذا كتاب الله يشير إلى ذلك يقول سبحانه: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} [1] ، هذه الآية هي الموجه للمسلمين في كيفية الحوار والضابط الشرعي له، وكيف يتعاملون في تبليغ الرسالة إلى غيرهم من خلال حفظ حقوقهم وأن يؤمن لهم السلامة سواء قبلوا الدين أم لم يقبلوه؛ لأن من المسائل الأدبية المعروفة أن الحوار هو محرك الأحداث على مقتضى الحال وداعية المقام ليفتح الحوار بين البشر لمصلحتهم العامة في التعايش الفطري دون منازعات مهلكة فجاءت الآية دالة عليه.
وهذا الضابط الشرعي هو الذي أمَّن غير المسلم وضَمِنَ حرية التعبير للآخر في احترام الفكرة المعروضة عليه؛ لأن الله سبحانه وتعالى جعل حرية الاختيار مبنيةً على سعة الفكر وعزيمة الانقياد وحرية العبارة، لذلك قال سبحانه مخاطبًا رسوله - صلى الله عليه وسلم - في جانب آخر في الضابط الشرعي في حرية الإيمان بالقبول أو الرفض، أوضح ذلك في سورة الكافرون: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [2] .
نزلت هذه الآية في رهط من قريش منهم الحارث بن قيس السّهمي، والعاص بن وائل السهمي، والوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن عبد المطلب بن أسد،
وأمية بن خلف، قالوا: يا محمد هلم اتبع ديننا ونتبع دينك، ونشركك في ديننا كله تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة فإن كان الذي جئت به خيرًا كنا قد شركناك فيه، وأخذنا حظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيرًا كنت قد شركتنا في أمرنا، وأخذت بحظك منه فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «معاذ الله أن أشرك به غيره» قالوا: فاستلم بعض آلهتنا نصدقك، ونعبد إلهك، قال: «حتى أنظر ما يأتي من ربي» فأنزل الله {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ} إلى آخر السورة فغدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المسجد الحرام وفيه أولئك الملأ من قريش، فقام على رؤوسهم ثم قرأها عليهم حتى فرغ من السّورة فأيسوا منه عند ذلك وآذوه وأصحابه، وقيل: إنهم لقوا العباس، فقالوا: يا أبا الفضل لو أن ابن أخيك استلم بعض آلهتنا لصدقناه فيما يقول، ولآمنّا بإلهه، فأتاه العباس، فأخبره بقولهم، فنزلت هذه
(1) سورة التوبة: الآية 6.
(2) سورة الكافرون، الآية 54.