السّورة. وقيل: نزلت في أبي جهل والمستهزئين ومَنْ لم يؤمن منهم [1] .
ومن جهة أخرى نجد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضح قضية مهمة في طريق دعوته لمن اختلف معهم من أهل الكتاب والمشركين، وخاصة عندما ظهر الإسلام وانتشر، وكان له الغلبة فسن - صلى الله عليه وسلم - الطريق الضابط لحرية التعبير بأن وضع أساسًا عظيمًا في هذا الموضوع عندما قال - صلى الله عليه وسلم: «لهم ما لنا، وعليهم ما علينا» .
هذه طريقة من طرق حرية التعبير التي تكفل العقل في قبول الأمر أو رفضه.
وبعد طرح قضية هذا الحوار الذي أوجبته الظروف على أهل الإسلام وأن الحوار مقيَّد بالضابط الشرعي، لذلك فإنهم أمام خطر عظيم، فعليهم بداية أن يتسلحوا بالإيمان قبل المناظرة والحوار، حتى لا يقعوا في دعوة أصحاب الشر والكفر من خلال تشكيكهم في دينهم، وحتى لا يفسدوا عليهم دينهم، فقال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} [2] . قال الطبري في تفسيرها: كان جِماعُ قبائل الأنصار بَطْنَيْن؛ الأوسَ والخزرجَ، وكان بينهما في الجاهلية حرب ودماء وشَنآن، حتى منَّ الله عليهم بالإسلام وبالنبي - صلى الله عليه وسلم -، فأطفأ الله الحرب التي كانت بينهم، وألَّف بينهم بالإسلام. قال: فبينا رجل من الأوس ورجل من الخزرج قاعدان يتحدثان، ومعهما يهودي جالس، فلم يزل يذكرهما أيامهما، والعداوة التي كانت بينهم، حتى اسْتَبّا، ثم اقتتلا. قال: فنادى هذا قومه، وهذا قومه، فخرجوا بالسلاح، وصفَّ بعضهم لبعض. قال: ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - شاهد يومئذ بالمدينة، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلم يزل يمشي بينهم إلى هؤلاء وإلى هؤلاء؛ ليُسَكِّنَهم، حتى رَجَعوا ووضَعوا السلاحَ [3] .
مجالات إبداء الرأي:
كل أمر جاء الشرع بحكمه بدليل من الأدلة، سواء كان متعلقًا بالعبادات أو المعاملات أو العقوبات أو العلاقات الشخصية، فهذا ليس للإنسان فيه إلا أن يعمل بمقتضى الدليل ويتفقه فيه {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [4] .وهذا أظهر من أن يُستدل له، إذ العبودية لله تقتضي الامتثال لأمره.
ومعنى الرضا بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبيًا ورسولًا؛ هو التحاكم إلى منهاج
(1) انظر: تفسير الخازن، سورة الكافرون.
(2) سورة آل عمران: الآية 100.
(3) تفسير الطبري 5/ 632، ط 1، 1424 هـ - 2003 م، دار عالم الكتب، المملكة العربية السعودية.
(4) سورة الأحزاب، الآية 36.