الصفحة 14 من 28

الله تعالى ورد الأمر إليه، ولذا نفى الله تعالى الإيمان عمن لم يستكمل هذا فقال: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [1] .

وهذا أصل عظيم من أصول الإيمان، وهو معنى الإسلام، فإن حقيقة الإسلام هي الاستسلام لله والانقياد له، ومن لم يرد إليه الأمر لم ينْقَد له.

ودين الإسلام مبني على اتباع كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وإجماع الأمة، وهي الأصول المعصومة التي لا يجوز تجاوزها أو الخروج عنها [2] .

وإذا أعمل الإنسان رأية وقرر نتائج بناها على مقتضى المصالح أو غيرها وهي معارضة لكتاب الله وسنة رسوله، فقد خالف الشرع ولم يقابله بالرضى والتسليم.

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها ومن معهم، فقام حَمَل بن النابغة الهذلي فقال: يا رسول الله! كيف أغرم من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل؛ فمثل ذلك يُطل [3] ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إنما هو من إخوان الكهان من أجل سجعه الذي سجع» [4] .

قال العلماء: إنما ذم سجعه لأنه عارض حكم الشرع ورام إبطاله، ولذا شبهه بالكهان الذين يروجون أقاويلهم الباطلة بأسجاع تروق السامعين [5] .

وقد قرر أهل العلم أدلة يُبنى عليها الحكم الشرعي، وطرقًا للاستدلال والترجيح فيها توصل للمطلوب، وإذا راعى أهل العلم ذلك في الأحكام الشرعية؛ فهو تنبيه على اعتبار المنهج نفسه في سائر معمولات الذهن، فلا بد أن يُبنى على دليل معتبر، ولا بد من مراعاة طرق الترجيح بين الآراء.

وكما يشترط لإبداء الرأي: القدرة على ذلك، والتأهل له، واستناده على ما يعضده؛ فإنه يشترط فيه أيضًا: إرادة الحق والخير، وهذا من معنى الإخلاص وحسن الإرادة التي

(1) سورة النساء، الآية 65.

(2) مجموع فتاوى ابن تيمية (20/ 164) .

(3) يُطل: يعني يلغى ويُهدر.

(4) صحيح البخاري، رقم (5758) ، وصحيح مسلم، رقم (1618) .

(5) إحكام الأحكام، لابن دقيق العيد، مع حاشيته العدة، (4/ 332) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت