لتبليغ الدعوة إلى غير المسلمين أن يقبل منهم الحوار ليخضع ذلك إلى مقاييس الرضا بالقبول أو الرفض، ولنتعلم كيف خاطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير المسلمين، وكيف بلغ دعوته، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لاَ تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلاَّ كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً» [1] ، وقال علي كرم الله وجهه: «حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ» [2] ، ويروى: «أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم» [3] .
وللشعر حكمة وموروث كبير في مسألة حرية ومشروعية التعبير:
قال أبو سليمان أحمد بن محمد الخطابي:
ما دُمْتَ حيًا فدارِ النَّاسَ كُلّهُمُ ... فإنما أنتَ في دارِ المُدَاراةِ [4]
وقال آخر:
إني أُحيي عدوي عِنْد رؤيته ... لأدفعَ الشَّرَّ عني بالتحياتِ
وأُظهرُ البِشْرَ للإنسانِ أُبغضه ... كأنه قَدْ ملا قلبي مسراتِ [5]
وقال زهير بن أبي سلمى:
ومَنْ لم يُصَانعْ في أمورٍ كثيرةٍ ... يُضَرَّسْ بأنيابٍ ويُوطَأْ بِمنْسَمِ [6]
والتعبير هنا هو نفسه توجه النفوس التواقة إلى الحرية التي تعبر بها عن ماضي نفسها، ولكن بضوابط محكمة تؤدي إلى رؤية واضحة، من خلال الحوار المنضبط بالدين والقيم والأعراف والمواثيق الدولية، التي أشارت إليها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال الصحابة وحكم الشعراء، لأن هذه المراجع هي التي يعتمد عليها في فن الخطاب وضوابط التعبير.
3 -حرية التعبير توجبها الضرورة ويحكمها الشرع والعقل:
إن الناظر في حرية التعبير يجدها مسألة اختلاف أصلًا، لذلك نجد أن الإسلام قد استخدم فيه العقل وحكم الشرع، ولهذا لا بد من فهم فكرة من تريد الحوار معه حسب
(1) أخرجه مسلم في صحيحه (1/ 9) .
(2) أخرجه البخاري في صحيحه (1/ 59، رقم 127) .
(3) أخرجه الديلمي (1/ 398، رقم 1611) . وقال العجلوني في كشف الخفا (1/ 225) : رواه الديلمي بسند ضعيف.
(4) انظر: معجم الأدباء (1/ 447) .
(5) انظر: ديوان الشافعي (1/ 21) ، ونسبه في البصائر والذخائر لهلال بن العلاء الرقي (1/ 472) .
(6) انظر: ديوان زهير (1/ 5) .