محمد - صلى الله عليه وسلم - بقوله: { ... قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} [1] ، { ... قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} [2] .
من هنا بدأت مسألة الاختلاف في الرأي، وقد علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأنه سوف يكون له مخالفون، إذن لا بد أن تكون هناك حرية تعبير، ولا بد من قبولها لقرع الحجة بالحجة، وإقامة الدليل، وبعدها تكون للإنسان الحرية في القبول أو الرفض، وهذا تعزيز لدور الإسلام الذي علَّم أتباعه أن خيار التعددية العقائدية والفكرية هي من مقومات البشر واختلافهم، لذلك توج كلمة المسلمين لغيرهم بقوله سبحانه وتعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [3] . هذا من جهة، ومن جهة أخرى توضح أهمية الاختلاف والتعبير الذي هو أساس الغاية من الوجود البشري، وهو اختلافهم في التعبير عن حاجاتهم على مدى الزمن من أعمارهم لذلك يقول سبحانه عنهم: { ... وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} [4] .
إن الرأي الذي يحمله الآخر ينبغي أن يكون رافدًا في تقوية التواصل ووسيلة للتقارب والتعارف والتجديد في الحوار الحضاري بين الشعوب تطبيقًا لقول الحق سبحانه وتعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [5] .
ففي هذه الآية الكثير من الدلالات والإشارات الدالة على حسن الجوار والتواصل بين المسلمين وغيرهم وتدل أيضًا على أن البشر بطبيعتهم يختلفون مع بعضهم سواء في المعتقد أو التفكير أو الحديث، والإسلام منذ إعلان دعوته وبعثة رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - انتشر بين الشعوب واختلط بطوائف تخالفه في العقيدة، وظل أمره كذلك على مختلف العصور بين البلدان المترامية، ومن الأمور الحتمية أن تكون هناك علاقة بين المسلمين وغيرهم، ولذلك فإن الإسلام هذب أفكار أتباعه وعلمهم الحكمة من خلال التعبير المتوازن المقيد بالضوابط والأحكام التي سوف نتناولها في هذ البحث المختصر من خلال محاوره الموصلة لغايته في فهم الآخر.
(1) سورة آل عمران: الآية 64.
(2) سورة الكافرون: الآيتان 1، 2.
(3) سورة النحل: الآية 125.
(4) سورة هود: الآيتان 118 - 119.
(5) سورة الحجرات: الآية 13.