الصفحة 17 من 28

عن نفسه، أو الاقتراح للمصلحة العامة ..

ففي فتح مكة ظهر الإسلام وانتصر على خصومه وأعدائه، فجاء رسول الرحمة - صلى الله عليه وسلم - بالحوار الهادف ليفتح قلوب الأعداء للإسلام من خلال قيمه العظيمة .. ، فقال: «يا معشر قريش: ما ترون أني فاعل بكم اليوم؟!» ، فردوا بالإجابة الموجبة لعلمهم بأخلاقه - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم .. قال - صلى الله عليه وسلم: «فإني أقول لكم ما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء» [1] .

هذه المبادرة بالسؤال تعطي إشارة لنا أنه علينا أن نسأل الآخر عن مدى فهمه للإسلام، وما هي اعتراضاته، حتى يفرغ ما في فكره وقلبه ليكون لديه طاقة الاستماع وحُسن الفهم بعد أن أُعطي حرية التعبير عما يرد عليه في فكره.

وهناك حوار آخر في فتح مكة لما أعطى النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمان، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر الظهران قال العباس قلت: والله لئن دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه إنه لهلاك قريش فجلست على بغلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقلت: لعلي أجد ذا حاجة يأتي أهل مكة فيخبرهم بمكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليخرجوا إليه فيستأمنوه، فإني لأسير إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء فقلت: يا أبا حنظلة، فعرف صوتي فقال: أبو الفضل، قلت: نعم، قال: ما لك فداك أبي وأمي، قلت: هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والناس، قال: فما الحيلة؟ قال: فركب خلفي ورجع صاحبه، فلما أصبح غدوت به على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلم، قلت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر فاجعل له شيئًا. قال: «نعم من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه داره فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن» قال: فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد [2] .

وهناك نماذج كثيرة في الحوار ذكرها القرآن الكريم يتعلم المسلمون منها فن الحوار مع الآخر وتقوية الإيمان بالله وبرسوله - صلى الله عليه وسلم - وهذه بعض شواهد الحوارمنها: هذا الحوار هو بين أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام مع النمرود، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [3] .

هذا الحوار أخذ عدة نقاط بين قدرة ربانية وقدرة بشرية قيست بمقياس البشر، ولكن

(1) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (9/ 118) .

(2) رواه أحمد 2/ 538، ومسلم 1780، وأبو داود 3022، واللفظ له.

(3) سورة البقرة: الآية 258.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت