الصفحة 16 من 28

أن الإسلام جاء ليصلح ما بين البشر فيما تنازعوا واختلفوا فيه، وأنه يُنشئ رابطة إنسانية بين البشر تقوم على ارتباطهم بالله الخالق سبحانه، وأن الإسلام يعمر الحياة، ويحافظ على موروثات الشعوب ويحمي الحضارات ويُذكُّر بها للعبرة لتستمر الحياة في العطاء تحت غطاء شرعي يكون مقصوده التعارف والتآخي بين الشعوب والقبائل لا فوارق بينها إلا بالدين والتقوى، «لا فضل لعربي على عجمي ولا عجمي على عربي ولا أحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى» [1] ، وليعلم العالم أن هذا الإسلام بفلسفته الفريدة كوَّن حضارة عظيمة ممتدة عبر (14) قرنًا من الزمان، وأنه يركِّز على أهمية الحوار بين الحضارات المختلفة من خلال اتباعها، وأن دين الإسلام لا يصطدم مع غيره من الأديان، لأنه الدين المهيمن والخاتم للأديان، فهو يؤثر ولا يتأثر، فمن أراد الإسلام، فهذه سفينته التي تنجي مَنْ ركب فيها من الغرق في بحر الظلمات وشتات الفكر العقدي الذي يؤدي إلى تصادم المصالح والقضاء على الحياة السعيدة التي توفر للبشر جميعًا الأمن والأمان من خلال التعايش السلمي والأمن النفسي والاجتماعي.

بهذه الفلسفة دخل الإسلام قلوب الذين اتبعوه واعتنقوه، وإذا دخل الإسلام قلب إنسان فإنه لا يخرج منه، لأنه ذاق لذته، والأمثلة على ذلك لا تعد ولا تحصى، ومن المعلوم أنه من جهل شيئًا عاداه، فأعداء الدين الإسلامي اليوم يجهلون فلسفته العظيمة، ولو عرفوها ما وسعهم إلا الدخول في هذا الدين الذي يرحب بمخالفيه ليدخلوا فيه، ويحرمهم جهلُهم ومعاداتهم لأهله من الدخول فيه، وإن الباب لمفتوح لمن تاب وأناب ورجع، هذا هو الإسلام وفلسفته في التعبير.

وهذه طريقة رسول الإسلام محمد - صلى الله عليه وسلم - في حياته العملية التي اتسمت بالشفافية المطلقة والإنسانية الفائقة في الحوار حتى مع خصومه وأعدائه، وضرب بذلك أروع الأمثلة في التسامح والحوار الهادف الذي يؤدي إلى حفظ كرامة الفرد والمجتمع والدين والقيم، وما غزوة خيبر إلا دليل واضح في حسن المعاملة، وذلك أنه لما غنم المسلمون الغنائم من خيبر كان من بين الغنائم صحائف متعددة من التوراة، فطلبها اليهود، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بردها وتسليمها لهم.

هذا الحوار العظيم جاء من خلال فلسفة الإسلام الداعية لحرية التعبير، فيطبقها

رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يتريث في مسألة حقهم واحترام شعورهم الديني في الاحتفاظ بصحفهم المقدسة، فدل ذلك على أن الإسلام لا يكره الناسَ على دخوله ولكن يدعوهم بالحسنى ليفهموا هذا الدين الذي جاء لصالح البشرية جمعاء.

وهناك واقعة أخرى تدل على مسار حرية التعبير، واعطاء الآخر فرصة للسماع والدفاع

(1) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط (5/ 86، رقم 4749) قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (8/ 84) : «رواه الطبراني في الأوسط والبزار بنحوه، ورجال البزار رجال الصحيح» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت