الصفحة 59 من 125

ويكون عذرًا لأحدٍ ممن يعترض على دينه بأنه عليه الصلاة والسلام كان يجيد القراءة، قال الله عنهم -أي أهل قريش- أنهم قالوا عنه في سورة الفرقان {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفرقان: 5] ، و {اكْتَتَبَهَا} أي طلب من غيره أن يكتبها له، فرد الله جلّ وعلا عليهم ذلك كله كما هو ظاهرٌ في القرآن.

فلما كان الله قد حفظ نبيه من هذا جعل له كتبةً، والشيء الذي لا يحسنه الإنسان يكله إلى غيره، وليس هذا بنقصٍ فيه، بل هذا من مقومات كمال الأمر، والنبي عليه الصلاة والسلام هو رأس الملة وإمام الأمة وهو يقود الناس، شرع الله جلّ وعلا له أن يتخذ كتبة يُعينونه على أمره عليه الصلاة والسلام، فيكتبون الوحي الذي ينزل من السماء، ويكتبون كتبه التي يبعثها إلى غيرهم، ويكتبون بعض الأحكام التي وُجدت عندهم، كما في كتاب عمرو بن حزم.

هذا كله قام به ثلة من الصحابة لأن العرب كانت -في الغالب- أمةٌ أمية لا تكتب ولا تحسب، فالذين كانوا يكتبون كانوا قليلا، منهم الخلفاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وكان هناك بعض الصحابة جمع المزيّتين، كان خطيبًا للنبي عليه الصلاة والسلام وكان كاتبًا كما هو شأن ثابت بن قيس، وكان من هؤلاء الكتبة من هو مُتميِّز كما يوجد في الطلاب أو الوزراء أو في المساندين لأي حاكمٍ قومٌ مميّزون، كان زيد بن ثابت رضي الله عنه أميز الصحابة في الكتابة، وتعلم لغة يهود، وهو الذي طلب منه الصديق رضي الله تعالى عنه والفاروق بعد ذلك أن يجمع القرآن، فهؤلاء رضي الله عنهم وأرضاهم ثلةٌ من الصحابة كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ودليلٌ على أن العاقل يتخذ من أسباب العصر الذي هو فيه ما ينفعه في أموره خاصةً تلك التي تتعلق بشئون الدعوة.

(وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم: عمرو بن أمية الضمري رسولًا إلى النجاشي واسمه أصحمة، ومعناه عطية، فأخذ كتاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ووضعه على عينيه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت