الصفحة 57 من 125

ومع أنه يعلم يقينًا أنه سينتصر إلا أنه وقف صلى الله عليه وسلم يدعو، فلماذا وقف يدعو - وهذا أعظم ما دلّت عليه غزوة بدرٍ من فوائد-؟ وقف يدعو حتى يحقق كما التوحيد لربه جلّ وعلا، ويظهر من نفسه كمال العبودية لربه جلّ وعلا، فأظهر صلى الله عليه وسلم في يوم بدرٍ كمال العبودية لله والتضرع وسؤال الله وهو يعلم عليه الصلاة والسلام يقينًا أنه مُنتصر لأنه قال لأصحابه قبل أن يصل إلى العريش (امضوا فإن الله وعدني إحدى الطائفتين) ، فهو مُتحققٌ من وعد الله له، لكنه فعلها ليظهر عبوديته لربه جلّ وعلا، وهذا أحد أعظم أسباب عُلُوِّ شأنه على جميع الخلق صلوات الله وسلامه عليه.

في يوم أُحدٍ شُجَّ رأسه وكُسرت رباعيته فقال (كيف يُفلح قومٌ شجوا رأس نبيهم وهو يدعوهم إلى الله؟!) فأنزل الله جلّ وعلا قوله {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} [أل عمران: 128] ، وكان الأمر كما أرد الله، فقد وقع ممن شهد أحدًا مع أهل الإشراك أسلم بعد ذلك وكان مُدافعًا عن الدين، وهذا يُذكّر بدرسٍ قديم وفائدة قديمة أن القلوب بيد الله وأن الإنسان لا ييأس من أحدٍ وهو يدعوه، بل إنه يُحاول أن يستثمر من حوله كيف يدعوهم إلى دين الرب تبارك وتعالى.

كذلك من الفوائد تواضعه صلى الله عليه وسلم يوم دخل مكة، فقد دخلها مطرقًا رأسه وعلى رأسه المِغفر تواضعًا لربه جلّ وعلا، والعظماء إذا سادوا وحققوا مرادهم يُظهرون لله جلّ وعلا تواضعهم حتى يُعلِم من حوله -بسلوك الحال فضلا عن لسان الحال- أنهم نالوا ما نالوا بما أعطاهم الله تبارك وتعالى إياه، هذه جملة مما يمكن أن يُقال عن فوائد ما ذُكر عن غزواته صلى الله عليه وسلم.

بقي التعليق على ما ذكره المُصنف في آخر هذه الفصل أنه عليه الصلاة والسلام قيل إنه قاتل في غزوة وادي القرى والغابة وبني النضير، وادي القرى وادٍ بين تيْمَاء وخيبر، وخيبر أقرب إلى المدينة من تيماء، وسُمي بوادي القرى لكثرة القرى التي فيه، وهي معركة حصلت بعد غزوة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت