الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (سورة الحديد، آية: 12) .
كان الصحابة يكثرون من الذكر والدعاء وتلاوة القرآن الكريم والاستمتاع إليه، واغتنام الساعات الفاضلة في قيام الليل، ومجاهدة النفس على الخشوع والتدبر وحضور القلب، فكان ذلك من أعظم القربات الى الله تعالى وله آثار عظيمة في تزكية النفس وسمو الروح وترقيتها في مقامات الكمال؛ فمن أعظم ماظفر به الصحابة من آثار الذكر والدعاء والتلاوة، مناجاة الله وتحقيقهم في مقامات العبودية التي تعلي مكانتهم عند الله تعالى، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني. إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب مني شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب اليّ ذراعًا تقربت منه باعًا، وإن آتاني يمشي آتيته هرولة) [1] .
ومن أعظم أنواع الذكر التي مارسها الصحابة الكرام رضي الله عنهم تلاوة القرآن الكريم، فقد عظمت محبة الله في قلوبهم وازدادت خشيتهم له سبحانه وتعالى، فقد شفاء القرآن نفوسهم من أمراضها، وتحقق فيهم قول الله تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا} (سورة الاسراء، آية:82) وقوله سبحانه: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} (سورة فصلت، الآية: 44) وقال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (سورة الرعد، الآية: 28) .
وكان للصحابة مع الدعاء شأنًا عظيمًا، فقد علمهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه من أجلى مظاهر العبودية والمناجاة لله سبحانه وتعالى، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ك (الدعاء هو
(1) مسلم في الذكر والدعاء رقم 2675.