الصفحة 14 من 15

الأهواء المنتسبون للعلماء، وكان عددهم 18 وهم ثمانية عشر نفسا، كان على رأسهم القاضي الإخناني المالكي، وأفتي قضاة مصر بحبسه، فحبس بقلعة دمشق مدة طويلة، وبقي في القلعة يكتب العلم ويصنفه، ويرسل إلي أصحابه الرسائل، ويذكر ما فتح الله به عليه في هذه المرة من العلوم العظيمة، والأحوال الجسيمة، وقد فتح الله عليه في هذا السجن من معاني القرآن، ومن أصول العلم بأشياء، كان كثير من العلماء يتمنون قراءتها، حتى منع من الكتابة، ولم يترك عنده حبر ولا وقلم ولا ورق، فأقبل على التلاوة والتهجد والمناجاة والذكر.

قال ابن القيم رحمه الله: سمعت شيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، وقال لي مرة: ماذا يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي، لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.

وقال مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه، ولما دخل إلي القلعة، وصار داخل سورها نظر إليها وإلي الظالمين وقال: (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلهِ العَذَاب ُ) (الحديد:13) .

وقد بقي بقلعة دمشق سنتين وأشهرا، ومات بها رحمه الله تعالى، سبعة وخمسون سنة، قضاها شيخ الإسلام في الدنيا الفانية، يجاهد بقوله وعلمه عمله للجنة الباقية، أتته المنية مسجونا بقلعة دمشق، بسعي الواشين والحاقدين والحاسدين، من عباد القبور العاكفين على قبور الصالحين، وبزعمهم أنه يمنع الناس من زيارة الرسول والصالحين، والصحيح الذي ثبت عن سيد الأنبياء والمرسلين، أنه نهي الناس عن شد الرحال إليها، ونهي عن تعظيمها والعكوف عليها، وهذا ما قال به شيخ الإسلام، لكن الحاقدين صبوا حقدهم على هذا الإمام.

وأنتم تعلمون ما روي في صحيح البخاري من حديث أبي سعيدٍ الخُدريَّ رضيَ اللهُ عنهُ أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: (ولا تُشَدُّ الرِّحالُ إلاَّ إلي ثلاثةِ مَساجِدَ: مَسجدِ الحَرامِ، ومسجدِ الأقصى، ومَسجدي) .

وفي ليلة الاثنين العشرين من ذي القعدة توفي الشيخ الإمام، العالم العلامة، الفقيه الحافظ، الزاهد العابد، المجاهد القدوة، شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، الحراني الدمشقي، توفي بقلعة دمشق، بالقاعة التي كان محبوسا بها، وحضر جمع كثير إلي القلعة، وأذن لهم في الدخول عليه، وجلس جماعة عنده قبل غسله، رغبة في رؤيته وتقبيله، فلما فرغوا من غسله أخرج إلي الناس، فاجتمع الخلق بالقلعة، حتى انسدت الطرق وامتلأت، ولم يبق مكان في دمشق لموضع قدم، وحضرت جنازة الإمام، والجند قد احتاطوا بها، يحفظونها من شدة الزحام، وصلي عليه الناس أولا بالقلعة، ثم صلوا عليه بالجامع الأموي عقيب صلاة الظهر، وقد تضاعف اجتماع الناس رغبة في الصلاة عليه، لكن الكثير لم يتمكنوا من الدخول إليه، ثم تزايد الجمع إلي أن ضاقت الرحاب والأزقة بأهلها، والأسواق بمن فيها، ثم حمل بعد ذلك على الرؤوس والأكتاف، وخرج النعش به من المسجد، وعلت الأصوات بالبكاء، والنحيب والدعاء، والترحم عليه والثناء، وألقي الناس على نعشه مناديلهم، وعمائمهم وثيابهم، وذهبت النعال من أرجل الناس وقباقيبهم، لا يلتفتون إليها لاشتغالهم بالنظر إلي الجنازة، وصار النعش على الرؤوس تارة يتقدم، وتارة يتأخر، وخرج الناس من الجامع من أبوابه كلها، كل باب أشد زحمة من الآخر، ثم خرج الناس من أبواب البلد جميعها، من شدة الزحام فيها، وعظم الأمر وتضاعف الخلق وكثر الناس، حتى وقفوا على القبر ودفن إلي جانب أخيه شرف الدين، رحمهما الله أجمعين، وكان دفنه قبل العصر بيسير، وذلك من كثرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت