الصفحة 87 من 94

قد يقابلك إنسان تحترمه لورعه، أما إذا تكلم لم تسمع له حجة، وكانت أفكاره ضعيفة جدًا، ويأتي إنسان منحرف، لا يعتقد بالدين فيصغّره ويهزمه، أنت لا تحترم رجلًا أخلاقه عالية، لكنه جاهل، هذا لا تحترمه، فلا يكون في نظرك كبيرًا، أخلاقي ورع، لكنه في المناقشة لا يصمد، يأتي إنسان منحرف العقيدة يصغره، ويحطمه، ما اتخذ الله وليًا جاهلًا، ولو اتخذه لعلَّمه، فالحجة من لوازم المؤمن، لأن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الْآيَةَ (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ وَأَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَرَضِيهِ وَالنُّونَ فِي الْبَحْرِ يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ الْخَيْرَ""

[الترمذي]

كم تكون المسافة كبيرة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين آخر مؤمن هي نفسها بين العالم والعابد، لعالم واحد أشدُّ على الشيطان من ألف عابد، العلم سلاح، أحيانًا ترى إنسانًا انتمى إلى مسجد، واتبع الدين، وفجأةً انتكس، وارتكبَ كلَّ الكبائر، فما تفسير ذلك؟ هذا ما اتبع العلم، وما بنى اتجاهه على علم، بنى اتجاهه على تقليد، فلما جاءت الشهوات، وكانت مقاومته هشة انتكس، هناك ضغوط في الحياة، وهناك شهوات، لا يصمد أمام الضغوط ولا أمام الشهوات إلا إيمان قوي أساسه علمي، والعلم سلاح كما قال النبي الكريم العلم سلاحي فكل إنسان بنى اتجاهه على التقليد، على الانتماء العاطفي، هذا ربما لا يصمد أمام ضغط أو أمام إغراء، أو أمام شبهةٍ، ويقف دونك ثلاثة مزالق؛ شبهة في الدين، أو ضغط اجتماعي كبير، أو إغراء شديد، أمام الإغراء، والضغط، والشبهة تنهار قوى الإنسان، ولا يصمد أمامها، لذلك قال أحدهم:"ما رأيت الشافعي يناظر أحدًا إلا رحمته، ولو رأيت الشافعي يناظرك لظننت أنه سبع يأكلك، وهو الذي علم الناس الحِجاج".

أحيانا أهل الدنيا يتوهمون أن الحق معهم، وهم الذين يفهمون، وأهل الدين دراويش، وقد يتفاجؤون عندما يلتقون برجل من أهل العلم لا يقف شيء أمامه، صاحب حجة، منطقي، واقعي، طموح، متماسك مع ذاته، ليست عنده ازدواجية، ولا يكيل بمكيالين، قلبه على لسانه، سريرته كعلانيته، جلوته كخلوته.

ويقول بعضهم:"ما رأيت أحدًا أقل صبًّا للماء في تمام من الشافعي"، يستهلك أقل كمية من الماء، ويقوم بأكمل وضوء، قد ترى رجلًا فتح صنبور المياه حتى النهاية في الحمام، رد على الهاتف، والصنبور مفتوح، هذا خطأ كبير، مرة النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، وبقي في الإناء فضلة ماء قليلة، فقال عليه الصلاة والسلام: ردوها في النهر ينفع الله بها قومًا آخرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت