فهذه آثار وأقوال عن السلف آثرت نقلها كما هي لتكون عونًا على الرضا والصبر ، ودفعًا للهمم لتسلك مسالك الأوابين الذين نالوا التوبة والغفران وأتعبوا أنفسهم في رضا الرحمن ، فلو رأيتهم في ظُلَمِ الليالي قائمين ولكتاب ربهم تالين بنفوس خائفة وقلوب واجفة قد وضعوا جباهم على الثرى ورفعوا حوائجهم لمن يرى ووقفوا على بابه:
أَلاَقِفْ بِبابِي عِنْدَ قَرْعِ النَّوَائِبِ ... وَثِقْ بِي تَجْدِني خَيْرَ خِلٍ وَصَاحِبِ
وَلاَ تَبْتَغِ غَيْرِي فَتُصْبِحَ نَادِمًا ... وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرِي يَعِشْ عَيْشَ خَائِنِ
الفصل الثالث
همسة وموعظة
أولًا: كيفية الجمع بين الخوف والرجاء
يقول ابن القيم ـ رحمه الله ـ: يا من عزم على السفر إلى الله والدار الآخرة قد رفع لك علم فشمر إليه ، فقد أمكن التشمير ، واجعل سيرك بين مطالعة منته ، ومشاهدة عيب النفس ، والعمل ، والتقصير ، فما أبقى مشهد النعمة ، والذنب للعارف من حسنة يقول: هذه منجيتي من عذاب السعير ما المعول إلا على عفوه ومغفرته ، فكل أحد إليهما فقير ؛ أبوء لك بنعمتك علي ، وأبوء بذنبي ، فاغفر لي أنا المذنب المسكين ، وأنت الرحيم الغفور ؛ ما تساوي أعمالك ـ لو سَلمت مما يبطلها ـ أدنى نعمة من نعمه عليك ، وأنت مرتهن بشكرها من حين أرسل بها إليك ، فهل رعيتها بالله حق رعايتها ، وهي في تصريفك ، وطوع يديك ، فتعلق بحبل الرجاء ، وادخل من باب التوبة ، والعمل الصالح إنه غفور شكور .
نهج للعبد طريق النجاة ، وفتح له أبوابها ، وعرفه طرق تحصيل السعادة ، وأعطاه أسبابها ، وحذره من وبال معصيته ، وأشهده على نفسه ، وعلى غيره شؤمها وعقابها ، وقال: إن أطعت فبفضلي ، وأنا أشكر ، وإن عصيت فبقضائي ، وأنا أغفر إن ربنا لغفور شكور .
وأزاح عن العبد العلل ، وأمره أن يستعيذ به من العجز والكسل ، ووعده أن يشكر له القليل من العمل ، ويغفر له الكثير من الزلل إن ربنا لغفور شكور .