الصفحة 31 من 50

أي أنه إذا حصلت الضرورة لاستخدام شيء من المحرمات ولم يمكن الاستغناء عن ذلك فإنه يجوز له استعمال هذا المحرم ، ولكن ليس هذا على إطلاقه ، بل هو مقيد بالقاعدة الخامسة عشرة التي تقول: ( الضرورات تقدر بقدرها ) ، أي أنه لا يحل له من الحرام إلا المقدار الذي تندفع به ضرورته فقط ، فإن زاد على ذلك فإنه آثم معتدٍ عاصٍ ، قال تعالى: { وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ } ، وقال تعالى: { فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ، وقال تعالى: { فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } ، والتجانف للإثم والبغي والعدوان معناه مجاوزة القدر الذي ترتفع به الضرورة ، فلا يتوسع باستخدام المحرم ، بل يقتصر على القدر الذي تزول به الضرورة ، فالمضطر إلى أكل الميتة إنما يجوز له تناول القدر الذي تزول به ضرورته فقط ، والمضطر لدفع الغصة يجوز له أن يشرب - أي من الخمر إذا لم يجد إلا هو - بالقدر الذي تندفع هذه الضرورة ، والمضطر لوضع الجبيرة إنما يجوز له أن يضع القدر الذي يتحقق به التجبير فقط ، ونظر الطبيب للمريضة أو عورة المريض للضرورة جائز ، ولكن ذلك لا يبيح النظر مطلقًا ، بل بالقدر الذي تندفع به تلك الضرورة ، وشق البطن لإجراء العملية يجوز للضرورة ، ولكن لا يشق إلا القدر الذي ترتفع به هذه الضرورة فقط ، فلا يتوسع في الشق لأن ذلك لا ضرورة فيه ، والأصل فيه التحريم والمنع ، والأصل في التخدير المنع ، لكن إذا دعت إليه الضرورة فإنه يجوز منه القدر الذي تندفع به هذه الضرورة ، وهذا واضح .

فهما قاعدتان متلازمتان ، إحداهما تفيد جواز المحرم حال الاضطرار إليه ، والأخرى تفيد المقدار الذي يباح منه ، ولذلك جمعناهما في موضع واحد ، والله أعلم .

( القاعدة السادسة عشرة )

ما جاز لعذرٍ بطل بزواله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت