ومنها: جواز إجراء التطبيب للمرأة من الرجل والعكس إذا لم يمكن غير ذلك ؛ لأن هذا فيه دفع لمفاسد عظيمة ؛ لأنه لو ترك المريض وحالته المرضية ولم يعالج منها لحصلت بذلك الأضرار الكبيرة والمفاسد الكثيرة ، فنتحمل مفسدة تطبيب الرجال للنساء ، والنساء للرجال إذا لم يكن إلا ذلك دفعًا للمفسدة الكبرى بارتكاب المفسدة الصغرى .
ومنها: إن من الناس من قد أصيب بمرض اشتداد الشهوة المفرطة وهو الذي يسميه الفقهاء بـ ( الشبق ) وهو الاضطرار لإخراج المني حتى إنه لو لم يخرجه لانفضخت خصيتاه ومات ، فإذا تحقق ذلك في شخصٍ فإنه يجوز له إخراجه بيده إذا لم يكن عنده زوجة ولا مهرًا يتزوج به ، بل يجوز له الجماع حال صومه ويقضي من أيام أخر ؛ لأنه مضطر لإخراج منيه ، بل يجوز له جماع زوجته حال حيضها إذا لم يكن عنده زوجة أخرى ولم تندفع ضرورته إلا بالوطء في الفرج مع أن هذا كله فيه مفاسد ، لكن أجزنا له أن يرتكبها دفعًا لمفسدة أعظم وهي مفسدة الهلاك وإذا تعارض مفسدتان روعي أشدهما بارتكاب أخفهما .
ومنها: أن المحب العاشق مريض وهو وإن كان يحب النظر والاستمتاع بصورة محبوبه وكلامه فليس دواؤه في أن يعطي نفسه محبوبها وشهوتها من ذلك لأنه مريض والمريض إذا اشتهى ما يضرع أو جزع من تناول الدواء الكريه فأخذتنا به رأفة عليه حتى نمنعه شربه فقد أعناه على ما يضره أو يهلكه وعلى ترك ما ينفعه ، فيزداد سقمه فيهلك ، فليس الرأفة به والرحمة أن يمكن مما يهواه من المحرمات ولا يعان على ذلك ولا أن يمكن من ترك ما ينفعه من الطاعات التي تزيل مرضه ، بل الرأفة أن يعان على شرب الدواء وإن كان كريهًا وأن يحمى عما يقوي داؤه ويزيد علته وإن اشتهاه لأن الواجب دفع أعظم الضررين باحتمال أدناهما قبل استحكام الذي ترامى به إلى الهلاك والعطب ، ومن المعلوم ألم العلاج أيسر وأخف من ألم المرض الباقي ، والله أعلم .
( القاعدة العاشرة )
يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام