والجواب أن نعمل بمضمون هاتين القاعدتين ، وهو أنه عند تعارض المفاسد فإننا نراعي أشدهما وأعلاهما بارتكاب أدناهما ، وإذا تعارضت المصالح فإننا نراعي أعلاهما وأعظمهما بتفويت أدناهما ، وكل ذلك يدخل تحت قاعدة: ( الشريعة جاءت لتقرير المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها ) ، كإقامة الحدود مثلًا كقطع يد السارق ، فإنه عند النظر في هذا الأمر قد يقول قائل: إن فيه مفسدة قطع اليد ، وهذا ضرر على السارق ، ولكن يقال له: إن في إقامة هذا الحد من المصالح أكثر من هذه المفسدة ، فإن فيه الأمن العام للناس جميعًا على أموالهم ، فقطعًا لدابر المفسدة الكبرى التي هي ذهاب الأمن وانتشار الخوف ارتكبنا هذه المفسدة الصغرى وهي قطع يده ، ولذلك أفتى الفقهاء بجواز رمي الكفار الذين تترسوا بالمسلمين حتى وإن أدى هذا الرمي إلى قتل هؤلاء المسلمين ؛ لأننا لو تركنا الكفار وما يريدون لغزو بلادنا وانتهكوا أعراضنا وأراقوا دماءنا ، فتركهم فيه مفسدة كبرى ، ورميهم فيه مفسدة صغرى ، وإذا تعارضت المفاسد راعينا الكبرى بارتكاب الصغرى ، ولذلك نهى الله تعالى المسلمين عن سب آلهة المشركين لأن سب آلهة المشركين يفضي إلى سب المشركين لربنا جل وعلا وهذا مفسدة كبرى ، وترك سب آلهتهم فيه مفسدة صغرى ، والمفسدة الكبرى هي التي لابد أن تراعى بارتكاب المفسدة الصغرى وهذا واضح .
وأما فروعها المتعلقة بالمجال الصحي ، فأذكر لك بعضها ، فأقول:
منها: المنع من استعمال الدواء الخبيث ؛ لأن مضرته راجحة على مصلحته من منفعة العلاج لقيام غيره مقامه ، ولأن البرء منه غير متيقن ، فيدخل في ذلك شرب الخمر للدواء فإنه لا يجوز لأن مفسدتها أعظم .
ومنها: جواز إجراء عملية الزائدة المتضخمة مع أنه يلزم منها التخدير الكامل وشق جانب البطن ، وهذه مفسدة ، ولكننا ندفع بذلك مفسدة أكبر وهي مفسدة تلف النفس والهلاك ، وإذا تعارض مفسدتان روعي أشدهما بارتكاب أخفهما .