وهذه القاعدة فرع عن القاعدة السابقة ، وهي تفيد وجوب بذل قصارى الجهد في دفع الضرر قبل وقوعه بكل الوسائل والإمكانيات المتاحة ، لأن دفعه قبل وقوعه من باب الوقاية ، والمتقرر شرعًا وعرفًا وعقلًا أن الوقاية خير من العلاج ، فإن أمكن دفع هذا الضرر بلا ضرر مقابل فهو الواجب ، وإذا لم يمكن دفعه إلا بضرر فإنه يجب علينا أن نتوسل لدفعه عنا أفرادًا وجماعات بقدر الإمكان ، ولا نطالب إلا بما هو داخل تحت وسعنا وطاقتنا ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها ، وقد تقرر شرعًا أنه لا واجب مع العجز ، وقد قال - عليه الصلاة والسلام -: (( إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم ) )، وقال تعالى: { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } ، ودليل ذلك قوله تعالى: { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ } ، فقد أمر الله تعالى المؤمنين بالإعداد المستطاع للقوة لدفع ضرر الأعداء بإرهابهم وتخويفهم بذلك الإعداد وتلك القوة .
وقوله تعالى: { وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ } ، فقد أجاز الله تعالى للحر أن ينكح الأمة ؛ لأنه لا يستطيع نكاح الحرة ولا يقدر على مهرها وذلك لدفع الضرر عنه بقدر الإمكان .
ويدل عليها أيضًا مشروعية الحجر على المفلس لدفع الضرر عن الغرماء ، ومشروعية الشفعة في نصيب الشريك لدفع الضرر عن شريكه ، ومشروعية الجهاد لدفع الضرر عن المسلمين وديارهم وأرواحهم وأموالهم ، ومشروعية قتل القاتل لدفع الضرر عن المجتمع حتى لا تراق فيه الدماء ، ولذلك قال الله تعالى: { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ } ، ومشروعية الأكل من الميتة للمضطر لدفع الضرر عنه ، وهكذا .