ـــــــــــــــــــــــــــــ
"قَالَ مَالِكٌ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: هِيَ حُجَّةٌ"لِأَنَّا عَلِمْنَا"أَنَّهَا مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرْعِ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ"لَا حَصْرَ لَهَا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ وَالْأَمَارَاتِ،"وَسَمَّوْهَا: مَصْلَحَةً مُرْسَلَةً"، وَلَمْ يُسَمُّوهَا قِيَاسًا؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَرْجِعُ"إِلَى أَصْلٍ مُعَيَّنٍ"دُونَ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ، فَإِنَّهَا لَا تَرْجِعُ إِلَى أَصْلٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ رَأَيْنَا الشَّارِعَ اعْتَبَرَهَا فِي مَوَاضِعَ مِنَ الشَّرِيعَةِ، فَاعْتَبَرْنَاهَا حَيْثُ وُجِدَتْ؛ لِعِلْمِنَا أَنَّ جِنْسَهَا مَقْصُودٌ لَهُ.
"وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: لَيْسَتْ حُجَّةً". هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ. قَالَ فِي"الرَّوْضَةِ": وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَإِنَّمَا قُلْتُ:"قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا"، وَلَمْ أَقُلْ: قَالَ أَصْحَابُنَا؛ لِأَنِّي رَأَيْتُ مَنْ وَقَفْتُ عَلَى كَلَامِهِ مِنْهُمْ حَتَّى الشَّيْخَ أَبَا مُحَمَّدٍ فِي كُتُبِهِ إِذَا اسْتَغْرَقُوا فِي تَوْجِيهِ الْأَحْكَامِ، يَتَمَسَّكُونَ بِمُنَاسَبَاتٍ مَصْلَحِيَّةٍ، يَكَادُ الشَّخْصُ يَجْزِمُ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُرَادَةً لِلشَّارِعِ، وَالتَّمَسُّكُ بِهَا يُشْبِهُ التَّمَسُّكَ بِحِبَالِ الْقَمَرِ، فَلَمْ أُقْدِمْ عَلَى الْجَزْمِ عَلَى جَمِيعِهِمْ بِعَدَمِ الْقَوْلِ بِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ قَدْ قَالَ بِهَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَقَوُّلًا عَلَيْهِمْ، وَالَّذِي قَالَ مِنْهُمْ: إِنَّهَا لَيْسَتْ حُجَّةً احْتَجَّ بِأَنَّا لَمْ نَعْلَمْ مُحَافَظَةَ الشَّرْعِ عَلَيْهَا،"وَلِذَلِكَ لَمْ يَشْرَعْ فِي زَوَاجِرِهَا أَبْلَغَ مِمَّا شَرَعَ"، كَالْمُثْلَةِ فِي الْقِصَاصِ، فَإِنَّهَا أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ عَنِ الْقَتْلِ، وَكَذَا الْقَتْلُ فِي السَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ، فَإِنَّهُ أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ عَنْهُمَا، وَلَمْ يُشْرَعْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَصْلَحَةُ حُجَّةً، لَحَافَظَ الشَّرْعُ عَلَى تَحْصِيلِهَا بِأَبْلَغِ الطُّرُقِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ