وهذا الكلام من وضوح المغزى ونبل المقصد بحيث لا يحتاج إلى تعليق وقد صرح في موضع آخر بأن الإقامة في أوروبا إنما تكون للضرورة فقد كاتبه الأستاذ عبد اللطيف أبو السمح فكان مما قاله:"واسأله تعالى أن يجمعنا بكم في أوروبا كما جمعنا في إفريقيا ثم آسيا"، فأجابه العلامة الهلالي من قلب أوروبا قائلا:
"وما رجوته من الاجتماع هو بغيتي وسؤالي إلا أنني أخالفك في موضعه فأتمنى أن يكون في مصر في خير وسلامة فهي أحب إلي من أوروبة ولا أظن أن العاقل يستحب الإقامة في أوروبة إلا للضرورة وبقدرها"، إلى أن قال:
"ولا أنكر أن هنا في أوروبة علوما نافعة لأهل الشرق، ولا أجحد أن بعض من يرحل إلى أوروبة من الطلبة فيهم شهامة ونجابة، والذي أنكره هو أنه ليس كل الطلبة الآتين هذه الديار لطلب العلم هم في الحقيقة طلاب علم، وأنهم يرجعون إلى الشرق بما ينفع أوطانهم، أو على الأقل لا يضرها، ومنذ جئت إلى أوروبة، وخبرت أحوال طلبة العلم أسفت أسفا شديدا، إذ لم يكن لي حول ولا قوة لإصلاح الحال، فإن قلت: وماذا تصنع لو كان لك حول وقوة؟ فالجواب: لو كان لي مثلا مال فاضل وهو أحد أنواع الحول لما اقتصرت في النصيحة على تصديع القراء بمثل هذه المقالات الفارغة، بل أجبت بالعمل، وذلك أني أرجع إلى الشرق، وألقي بصري على طلبة العلم، ومتى رأيت منهم من جزمت لي فراستي وأظنها قلما تخطئ في هذا الباب دعوته واختبرته، وعرفت العلم الذي هو متأهل له، فقلت له: تهيأ للسفر وجهزته وبعثته، فإذا أتم دراسته ورجع يعمل عملا حرا أو حكوميا مضادًا أشد المضادة لما يعمل المزورون الملبسون، فإذا رأى الشعب والحكومة الفرق بينه وبين أولئك المحتالين، عرفوا الحقيقة، واحتاطوا في إرسال الطلبة، وتدرجوا في إصلاح هذا الباب إلى أن يصلوا إلى الصواب، وهو إرسال الطلبة حسبما تقتضيه حاجة البلاد، لا حسب شهوة المرسََََََََلين أو المرسِلين" (انظر مجلة الفتح العدد 811 ص 13) .