صفحًا، وطلب الصلح فتلونا"فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا"؛ وألح علينا هو وقاضي اسكندرية لنتوجه إلى ضيافته في بلدته رشيد، وأكد ذلك بأنواع التاكيد. وأما قاضي دمنهور فإنه جاهل لم يدر مقامه، ولما تم الكشف والتحرير، تقدم على الفقير، وكتب أمامه، فصبرت عليه حتى اتم، ثم تأملت ما رقم، فكان الذي كتبه ما قرأته: من الداعي إلى الملك القفور، محمد القاضي بدمنهور. فقلت له: ما هذا إلا جهل شهير، بل والعياذ بالله تعالى خطا كبير، فأن الغفور بالغين لا بالقاف، ولو رأى ذلك حضرة الباشا لعلم ما هناك بلا خلاف. ثم لما رقم على الحكم والمثال، علامة القبول والامتثال، كتب ما صورته: امتثلت إلى أمر الشريف محمد المولى بدمنهور. فقلت له: وقد أخطأت أيضًا في هذا الإمضاء من ثلاثة أوجه وتجاوزت حدا، الأول: جعلك الفعل متعديًا بالى وهو بنفسه يتعدى، والثاني اضافتك الأمر إلى الشريف، ولا يخفى على عاقل أن الواجب التوصيف، والثالث بقاء اسمك مفلتا بلا سبب ولا رابط، ولا علاقة ولا ضابط، إلى غير ذلك من العجائب والنوادر والغرائب، سبحان الله تعالى. وعلى قولهم الشيء بالشيء يذكر فقد ذكرتنا عبارات قاضي دمنهور ما وقفنا عليه هذه الايام لقاض في مدينة الفيوم من كتابته امتثال على مثل الحكم المذكور، صورته:"لما ورد الأمر الشريف من الباب العلية، والعتبة العالية الهنية، قد نظرت ووقفت وامتثلت بالسمع والطاعة، الفقير أحمد بن مولانا علي العربية، القاضي بمحروسة فيوم المحمية، عفى عنهما الكافي الصمدية". فلما تأملت هذه العبارات طفح علي الطرب وطاف، وأذكرتني، وما كنت ناسيًا، قضايا بالقاف. وعجبت من هذه السجعات المطربة، وحكمت بأن هذه ليست غلاّ من تلك متشعبة، وقضيت من ذلك غاية العجب، وتأسفت على نقص حظ أبناء العرب.