وكان يجلُّ العلماء غايةَ الاجلال والاعظام، ويعاملهم بانواع التبجيل والاحترام. واتبع حذوَ والده المرحوم في جميع مقاصده، ولا غرو أن يحذوَ الفتى حذو والده. وأحاط بأحوالِ مصر علمًا حتى بلغ أقصاها، ولم يغادر منها صغيرة ولا كبيرة غلاّ احصاها. ووجه إلى إزالة المنكرات همةً عالية عظيمة، حتى قطع أصل أمّ الخبائث من مصر فكانت عقيمة، ولم يدعْ بيتَ خمرٍ ألاّ كسرَ دنانه، وخلع أوتاده وقطع ايبابهُ وهدم اركانه، ولم يبقِ حانًا في مصر العتيقة وبولاق غلاّ جعلها"خاوية على عروشها"ولخمرها أراق، حتلا سلا الناس عن ارتضاع كاس المدام:
سلو رضيعٍ قد علاهُ فطامُ
ولقد شاهدنا كسر دنان خمرفي مصر العتيقة على طرف النيل، فخالطته بحيث غيرت لونه الأول، وذكرنا ذلك قول القائل:
فما زالت القتلى تمجُّ دماءها ... بدجلةَ حتى ماءُ دجلة أشكلُ
وأما المساجد والأوقاف فقد عمر كثيرًا منها بعد أن آل أمرها إلى الاضمحلال، وصارت بحيث يذكر فيها اسم الله ويسبح له فيها بالغدوّ والآصال رجال. ومن جملة ما ازاله من المنكرات، وقطع اصله من البدع المحدثات: استيلاء طائفة الكفار على الإماء المسلمات. فصرف إلى ذلك عزمه الشريف وسعى فيه سعيًا جميلًا، وأجبر الكفار على بيعهن للمسلمين عملا بقوله تعالى:"ولن يجعلَ اللهُ للكافرين على المؤمنين سبيلا".
وكان يبذل الجهد في نصرة الحقّ ويجادل عنه ويباحث، ولعمري ليس له في القضاء ثان بل لعمري أنه الثالث. وبالجملة فصفات هذا المولى الجليل تجلّ عن أن تحصر، أو تكتب في الدفاتر وتسطَّر:
فوا عجبا مني أحاول نعته ... وقد فنيت فيه القراطيسُ والصحفُ
أقاضينا هذا الذي أنت أهلعه ... غلطت ولا الثلثان منه ولا النصف
ولا الضعف حتى يتبع الضعف ضعفه ... ولا ضعف ضعفِ الضعفِ بل مثله ضعفُ