ثم أن مولانا - أدام الله تعالى رفيع جنابه - وجه همته في منصب القضاء لعبد بابه، وكان يعرفه كثيرًا عند حضرة اسكندر باشا بكمال التعريف، ويذكره عنده بما يليق بوصفه الشريف. فكان العبد يتردد إلى حضرته العلية، وهو يميل إلى المباحثة مع اهل الفضل ويحبهم محبةً كلية. وكنت اقابل له بعضَ كتب التفسير، وأصححها غاية التصحيح والتحرير. فاتفق في ذلك الاثناء وفاة قاضي التزمنتية، ففوّض قضاءها للعبد وعرض الأمر إلى السدة السنية العلية. وتوجه الفقير إلى القضاء المذكور لتنفيذ الأحكام، وأرسل العرض مع مندوبه فسبقه خبر وفاة قاضيها ببعض ايام، فاعطي القضاء المذكور لقاض من القضاة، وكانت عدد ايام اقامتي بها كعدد ايام الميقات.
ثم توجهت بعد ذلك إلى المحمية القاهرة، فألفيت الخبر جاء من دمشق بوفاة المرحوم فوري أفندي المفتي المشار إليه أعلاه وانتقاله إلى الدار الآخرة. فكان خبرًا أظلم الوجود لوصوله، وحل الهم المبرح بحلوله، وأجرى الدمع من العيون، وأوجع القلوب وقرح الجفون. فعاين العبد من هذا الخبر أن سماء قلبه انفطرت، ونجومها انكدرت، وتفتت منه الأحشاء وتقطع الفؤاد، وذكره فقده، وما كان ناسيا، أن الموت نقادٌ، فياله مولى أظلمت الدنيا لفقده، وخلت ربوع الفضائل من بعده:
فلكل معدوم سواه مشبه ... ولكل مفقود سواه نظير
وبالجملة:
ولو كان غير الموت شيء اصابهم ... عتبت ولكن ما على الموت معتبُ
على أنه إذا جاء الأجل المحتوم فلا حيلة في رده، ولكل شيء حد فإذا تم وقف عند حده.
وعلى كل حال فأن الموت كاسٌ لابد ان يردها الخاصُّ والعام، ولا يبقى إلاّ"وجه ربك ذو الجلال والأكرام"فالمتحتم حينئذ تلقي أمر الله تعالى بالقبول والرضى،"فإنا لله وإنا إليه راجعون"فيما قدر وقضى. ولعمري إنَّ هذا المولى حقيق بان