فتذكرات عند ذلك قول القائل:
عتبتث على الدنيا لتقديم جاهلٍ ... وتأخير ذي فضل فابدت ليَ العذرا
بنوا الجهل ابناءٌ لذاك أحبهم ... وأهل النهى ابناءُ ضَرَّتِيَ الأخرى
ثم ذكرت حال هؤلاء الفضلاء، لمولانا قاضي القضاة اسبغ الله تعالى عليه مواهب الافضال، وبلَّغْتُهُ ما اشتمل المذكورون عليه من الفضل والكمال. فوعد - أدام الله تعالى أيامه وزاد علاه - ان يبلّغ كُلًا منهم مناه.
هذا ثم قصد مولانا قاضي القضاة ثاني يوم دخوله للاقتداء بوالده المرحوم شيخ الاسلام، وتوجَّهَ الى زيارةِ مَنْ القاهرة من الصحابةِ والائمةِ والاولياءِ الكرام، فزرنا تلك الاماكن الشريفة ومن فيها من الصحابون كقير عقبة وشهدنا ما حواه مقامه الشريف من الجلالة والمهاربة، ومقام امام الائمة محمد بن ادريس الشافعي رضي الله عنه، وما جاوره من قبر علي بن الحسن بن زين العابدين. وقبور العلماء العالمين: كالقاضي زكريا وملاّ مغوش المترجم بعالم الربع المعمور، وحصلنا على كمال البركة والاجور. وتمثَّلنا عند قبر هذا الفاضل، بما قاله فيه رثاءً ذلك القائل:
ألا يا مالكَ العلماءِ يا مَنْ ... به في الأرضِ أثمر كلُّ مَغْرِسْ
لئن أوحشت تونسَ بعد بُعْدٍ ... فأنت لمصرَ ملكَ الحُسْنِ تُؤْنِسْ
ثم انعطفنا الى مقام الليث بن سعد، ومقام السيدة نفيسة، وما امتنف تلك البقاع من الاماكن الانيسة. ثم زرنا مقام سيدي عمر بن الفارض، وشاهدنا في مقامة الانس اللائح والنور الفائض. ثم بعد ذلك توجهنا للجيز لزيارة كعب الاحبار، وما في تلك البقاع من قبور الصالحين الاخيار. ولم يكن دأب مولانا الاّ قصد الزيارات واستباق الخيرات.
ثم لما قضى تلك الزيارات تصدى لفصل الأحكام الشرعية بين الانام، متمسكًا من تقوى الله تعالى بالسبب الاقوى، محافظًا على العمل بالأوامر الشرعية في السر والنجوى، فسار - أدام الله تعالى أيامه - في الناس سيرة حسنة، ونطقت بالدعاء له من الخواص والعوام جميع الألسنة. وسلك - أسبغ اللع تعالى نعمه عليه - مسلكا لم يسبقه أحد من القضاة إليه.