بملاقاته، وكنا بفرط الأشواق إلى مشاهدة ذاته. وكان مولانا قاضي القضاة عامله الله تعالى بألطافه الخفية، لما جاءه الخبر بتوليه القاهرة المحمية، أرسل لحضرة الباشا بمصر يستخلف المشار إليه مكانه، لتميزه بالفضائل التي فاق بها اقرانه، فسأله عن بعض ما وقع في البين من الأحوال، واستخبر عنها بالتفصيل والإجمال، فأنهى إليه بعض الأمور بطريق العرض، وعرفه ببعضها وأعرض عن بعض. وبتنا بذلك المنزل ليلة واحدة، وعندنا إلى مصر أشواق متزايدة. ثم في ثاني يوم قوضنا الخيام، ورحلنا عن ذلك المقام، فأتينا محمية الخانقاه في خامس عشري رمضان، وخرج لإستقبال مولانا قاضيها فخر القضاة شهاب الملة والدين أحمد بن شعبان، وتواتر المستقبلون في ذلك اليوم أفواجًا، وتواردوا للقاء مولانا فرادى وازواجا. فلما كان نهار الأربعاء سادس عشري شهر رمضان أشرفنا على المحمية القاهرة، ولاحت لنا قصورها العالية العامرة، وخرج لاستقبال مولانا - أدام الله تعالى مدده وطوله - جميع القضاة والعلماء وارباب الدولة، ودخل في أبهة عظيمة، ومهابة جسيمة، وكأن الله تعالى ألقى محبة مولانا في قلوب جميع الخليقة، فأستبشروا بمعدلته التي سار بها في دمشق على أحسن طريقة:
وجه عليه من الحياء سكينة ... ومحبة تجري من الأنفاس
وإذا أحب الله يومًا عبده ... ألقى عليه محبة للناس
وخرج جميع أهل البلدة لاستقباله فرحًا، ووافينا دخولها ذلك النهار ضحى، فدخلناها فرحين مستبشرين، وتلونا قوله تعالى"ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين".
ثم لما كان السبب الأعظم في هذه الرحلة مشاهدة من ذاته أضحت للمعارف قبلة: