ثم في اليوم الثالث عشر من شهر رمضان عزم مولانا المفتي - حفظ الله تعالى ذاته العلية - على العود إلى دمشق المحمية. فركبنا في خدمة قاضي القضاة لتوديعه، والقلب من فراقه على شفا نار مشغول بتقطيعه، ومدينا الأكف لوداعه:
ولوعة البين تأبى أن تمد يدا
ذكرنا عند ذلك قول القائل:
من لم يمت يوم بين لم يمت أبدا
ثم أنه أوصى الحقير أن لا يقطع مكاتباته عن جنابه السعيد، وأكد ذلك بأنواع التأكيد، ووعد أن يكتب له جوابًا عن كل مراسلة ويكون ذلك على سبيل الجبرو المقابلة. فقلت له: والله يا مولانا أن هذا الصب لمغرم في رسائل إخوان الصفا، فقال: إذن المؤمن إذا وعد وفى، ثم أنشدنا تيمنًا هنالك، ما ينسب إلى الإمام الغزالي في معنى ذلك:
يا من يريد الرحيل عنا ... كان لك الله في أرتحالك
كان لك الله خير واقٍ ... أمنك الله في المسالك
ثم عزم مولانا المفتي على المسير، وسألنا الله تعالى حسن الإجتماع،"وهو على جمعهم إذا يشاء قدير"وقضيناها سفرة لم يتفق مثلها في الأسفار، وقطعنا الطريق معه بالمواصلة بمقاطيع الأشعار، وحصلنا من حسن مرافقته، ولطف مفاكهته على الحظ الوافر، وأجتنينا من زهرات مصاحبته ما يغني عن الربيع الزاهر.
وفي اليوم الرابع عشر من شهر رمضان، عزمنا على التوجه بقصد زيارة خليل الرحمن، فوافينا دخوله آخر ذلك النهار، وشاهدنا ما تحير فيه العقول من باهر تلك النوار. وأتينا إلى