تمام الشأن في ذلك كما هو الشأن في الأمور المادية التي يقوى بها بدن الإنسان ويحيى، إذا كان هناك والد وولد أحدهما يأكل ما يقوم بصحته وبجسده وبقوته والآخر لا يأكل، فهذا الذي يأكل يفيد نفسه، وذاك الذي لا يأكل لا يستفيد من أكل غيره شيئًا مطلقًا، هكذا الشأن تمامًا في العبادات وفي الطاعات، لذلك صح عن بعض السلف وأظنه عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أنه قال: (لا يصلي أحد عن أحد ولا يحج أحد عن أحد) . فإذن حجة البدل هذه أليس لها أصل مطلقا؟ قد يبدو هذا من كلامنا السابق، ولكن نريد أن نضيّق دائرة حجة البدل في حدود النصوص التي جاءت في هذه الحجة لكن أردت أن نذكّر: بالقاعدة (لا يصلي أحد عن أحد ولا يحج أحد عن أحد) إلا ما جاء به النص، فلننظر في أي نوع أو في أي جنس من الناس جاءت حجَّة البدل وأنى تشرع عنه.
فأول ما نجد من النصوص في ذلك حديث البخاري في تلك الخثعمية التي سألت الرسول صلَّى الله عليه وسلم يوم النحر في حجّة الوداع قالت: (يا رسول الله إن أبي شيخ كبير، لا يثبت على الرحل وقد أدركته فريضة الله الحج أفأحج عنه قال عليه السلام: حجِّي عنه) . هذا الحديث لا يجوز فهمه فهمًا مطلقًا عن القيد الذي جاء في ضمن السؤال وعلى أساسه جاء الجواب، فقد سمعتم أن المرأة تصفُ حال أبيها بصفات:
(أولها: أنه شيخ كبير فانٍ، لازم ذلك كما قالت لا يثبت على الرحل يعني لا يستطيع أن يركب الناقة وأن يتابع طريقه إلى بيت الله الحرام لأنه يميل فيقع على الأرض فيموت.
(وقد أدركته فريضة الله الحج: أي فرض الحج يوم فرض وهو شيخ كبير لا يثبت على الرحل لأن فريضة الحج فُرضت في آخر حياته عليه الصلاة والسلام على ما هو أرجح الأقوال ولذلك تأخرت حجَّة النبي صلى الله عليه وسلم إلى آخر سنة من حياته.