فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 269

سبقت الاشارة إلى أن الخلاف الذي اعتزل بسببه واصل بن عطاء (ت 131هـ) حلقة أستاذه الحسن هو الخلاف حول مرتكب الكبيرة. ولقد رأينا في الصفحات السابقة أن هذا الخلاف يمتد إلى بداية نشأة حركة الخوارج، وإن أطلقوا عليه «الإمام الجائر» لا «مرتكب الكبيرة» . ولقد كان الخوارج واضحين ومتسقين مع نزوعهم الثوري، فذهبوا إلى تكفير كل من خالفهم، وذهبوا إلى ضرورة الخروج على الإمام الجائر ومحاربته بالسيف. ولم يفرّق الخوارج بين امامهم الأول «علي بن أبي طالب» وبين «معاوية بن أبي سفيان» ما داموا قد آمنوا بأن كليهما على باطل، وإن اختلفت درجة باطل كل منهما. وفي الجانب الآخر كان المرجئة يحكمون على «مرتكب الكبيرة» بالايمان وذلك تأسيسا على تعريفهم للايمان الذي سبقت الاشارة إليه. وقد انشغل الشيعة، الغالية منهم والإمامية، بقضية الإمامة دون غيرها من القضايا. أمّا الحسن البصري الفقيه الورع الزاهد فقد تحرّج في تكفير من شهد أن لا إله إلّا الله وأن محمدا رسول الله، كما أنه من جانب آخر لم يكن يستطيع أن يفصل الايمان عن العمل كما فعلت المرجئة. ولذلك انتهى إلى أن مرتكب الكبيرة منافق، ليس كافرا وليس مؤمنا.

ومما يرتبط بهذا الخلاف ما سبقت الاشارة إليه من أن الحكم على عثمان وعلي وطلحة والزبير كان جزءا من الخلاف بين الفرق والاتجاهات المختلفة. ولقد امتحن الخوارج عبد الله بن الزبير وحين خالفهم لم يحاربوا معه. وكذلك امتحن زيد بن علي أصحابه في هذه القضية، وانفضوا عنه حين رفض الخوض في أبي بكر وعمر. وليس ببعيد عنا امتحان الحجاج للحسن البصري حين سأله عن عثمان وعلي.

وإذن فالخلاف حول قضايا مرتكب الكبيرة والحكم على المتنازعين لم يكن مجرد خلاف فقهي وإن بدا كذلك على يد الحسن وتلميذه واصل، ومرد ذلك إلى طبيعة الضغوط التي تعرّض لها الحسن على يد الحجاج، وهي ضغوط جعلته في كثير من الأحيان يلجأ للتقيّة والمداراة.

لم يقبل واصل بن عطاء رأي الخوارج في الحكم على مرتكب الكبيرة بأنه كافر، وكذلك لم يقبل رأي المرجئة بأنه مؤمن، ثم خرج على أستاذه الحسن أخيرا ولم يقتنع بقوله أنه منافق. وخرج بوصف له بأنه فاسق في منزلة بين المنزلتين، أي بين منزلة المؤمن والكافر. وحكم عليه بأنه يخلد في النار إن مات على غير توبة.

وقد يبدو هذا الرأي الذي أثاره واصل في مرتكب الكبيرة مذهبا رابعا يضاف إلى

المذاهب الثلاثة السابقة عليه. ومن الواضح أن هذا المذهب ليس مذهبا محايدا كما ذهب إلى ذلك نللينو كما أنه ليس خروجا عن الإجماع كما ذهب إلى ذلك كل خصوم المعتزلة. فواصل يتفق مع الخوارج في خلود مرتكب الكبيرة في النار، ويشترط عدم التوبة. وهو شرط لا يجعله مخالفا لهم وإن لم ينصوا عليه. وسلوك الخوارج العملي في استتابة مخالفيهم يؤكّد الاتفاق بينهم وبين واصل في هذه النقطة. وهو لم يتفق مع المرجئة الذين يجعلونه مؤمنا ويفتحون أمامه باب الأمل في رحمة الله الواسعة. ويبدو أن خلاف واصل مع أستاذه بحسب ما تتيحه المصادر هو خلاف في التسمية فقط. ومعنى ذلك كله أن واصلا في حكمه على مرتكب الكبيرة إذا أضفنا شرط التوبة يتفق مع الخوارج ويختلف مع المرجئة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت