فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 269

وتبدو أهمية الرسالة فيما تثيره من اعتراض عبد الملك بن مروان، فالرسالة رد على تساؤل من عبد الملك بن مروان وجهه للحسن حول ما بلغه عنه من أنه يقول بالقدر. ولم يكن عبد الملك بن مروان بالساذج حتى يفعل بالحسن ما فعله بمعبد الجهني، فالحسن بزهده وورعه وتقواه قد يثير سخط العامة، ولذلك يلجأ عبد الملك إلى أسلوب النقاش «وقد كان أمير المؤمنين يعلم منك صلاحا في حالك،

وفضلا في دينك ودراية للفقه، وطلبا له وحرصا عليه. ثم أنكر أمير المؤمنين هذا القول من قولك، فاكتب إلى أمير المؤمنين بمذهبك، والذي به تأخذ، أعن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أم عن رأي رأيته؟ أم عن أمر يعرف تصديقه في القرآن؟ فإنّا لم نسمع في هذا الكلام مجادلا ولا ناطقا قبلك» وتبدو في لهجة الرسالة نبرة الضيق التي ترى تناقضا بين الصلاح والفضل والفقه وبين القول بالقدر، مما يؤكّد أن انتماء الحسن إلى صف القائلين بالقدر أقلق الخليفة الأموي ودفعه لهذه التساؤلات حول أصل هذا الرأي ومنشئه في القرآن أو السنة أو آراء السلف الصالح. ولم يكن صعبا على الحسن أن يستشهد بالقرآن على صحة مذهبه، ففي القرآن آيات كثيرة تحمّل الانسان مسئولية فعله. ويلجأ الحسن إلى تأويل تلك الآيات الأخرى التي توهم بالجبر، وهذه مسألة سنتعرّض لها في الفصل الخاص بالتأويل والمجاز. أمّا الذي نريد التركيز عليه الآن فهو لمز الحسن لمعاصريه على قولهم بالجبر «وقد أدركنا، يا أمير المؤمنين، السلف الذين عملوا بأمر الله، ورووا حكمته، واستنوا بسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم، فكانوا لا ينكرون حقا ولا يحقون باطلا، ولا يلحقون بالرب، تبارك وتعالى إلّا ما ألحق بنفسه، ولا يحتجون إلّا بما احتج الله به على خلقه في كتابه» ثم ينتهي إلى أنه «لمّا أحدث المحدثون الكلام في دينهم ذكرت من كتاب الله خلافا لما قالوا وأحدثوا» والحسن في هذا الرد يتهم معاصريه بأنهم أحدثوا بالقول الجبر قولا لم يقل به أحد من السلف الصالح، وألحقوا بالرب ما لم يلحق بنفسه من نسبة معاصيهم إليه، فكان عليه أن يتصدّى لهم، ويكشف عن زيف معتقدهم.

وننتهي من ذلك كله إلى أن القول بالقدر وبمسئولية الانسان عن فعله كان سلاحا فكريا وعقائديا ضد تستر الأمويين وراء مبدأ الجبر لتبرير أعمالهم. وقد رفع لواء هذا المبدأ مفكرون دفعوا حياتهم ثمنا له، وتحرّج متأخرو الصحابة والتابعون من القول به لما يوهمه من انتقاص للقدرة الإلهية. وظلّ الأمر كذلك حتى عدل الحسن البصري من صياغة هذا المبدأ بما يجعله يتلاءم مع الايمان المطلق بقدرة الله ومشيئته اللانهائية. وكان الذي دفع الحسن إلى ذلك هو انكشاف البعد السياسي لمقولة «الجبر» في عهد عبد الملك ابن مروان. ويعدّ ما فعله الحسن بذلك بمثابة اعطاء شرعية دينية وفقهية لمبدأ يثير الشك في وجدان المسلم العادي وذلك عن طريق الاستشهاد بآيات القرآن التي تتمشى مع المبدأ، وفي نفس الوقت تأويل تلك الآيات التي يوهم نصها الحرفي مناقضة هذا المبدأ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت