فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 269

ولمّا كان بنو أمية يرفعون القول بالجبر لتبرير معاصيهم، فإن اسناد المعاصي إلى قدرة العبد كاف في الرد عليهم دون أن يؤدي ذلك إلى الانتقاص من قدرة الله. لذلك كله عدّل الحسن من قول معبد وغيلان والجعد، وقال «كل شيء بقضاء وقدر إلّا المعاصي» وهذه الصياغة لمبدأ القدر تنفي عن الله فعل الشر وتثبت قدرة العبد عليه. ومن شأن هذه الصياغة للمبدإ أن تجعله مقبولا لدى أتقياء

المسلمين، لأنها رفعت عنه الحرج السابق الذي يؤدي إلى ايهام انه يتناقض مع الايمان الحق. كما أنها من جانب آخر تثبت مبدأ الثواب والعقاب الذي يعدّ ركنا أساسيا في العقيدة الدينية، ذلك المبدأ الذي يخلّ به القول بالجبر وينفي مسئولية الانسان عن فعله.

ويقول الحسن مؤكدا مبدأه وكاشفا عن مراميه «من زعم أن المعاصي من الله عزّ وجلّ جاء يوم القيامة مسودا وجهه، ثم قرأ: {وَيَوْمَ الْقِيََامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللََّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ} (الزمر: 60) » . ويشير ابن قتيبة إلى علاقته بمعبد الجهني عرضا حين يقول: «وكان (أي الحسن) تكلّم في شيء من القدر ثم رجع عنه وكان عطاء بن يسار قاصا ويرى القدر فكان يأتي الحسن هو ومعبد الجهني فيسألانه ويقولان يا أبا سعيد إن هؤلاء الملوك يسفكون دماء المسلمين ويأخذون الأموال ويفعلون ويقولون إنما تجري أعمالنا على قدر الله فقال كذب أعداء الله» . وهذه العلاقة التي تجعل معبدا الجهني يأتي ليسأل الحسن عن رأيه في القدر، تؤكّد ما نذهب إليه من تعديل الحسن لمقولة معبد. ويبدو أن الحسن خلافا لما يزعمه ابن قتيبة كان يتحرّج من القول بالقدر، ويبدو أن سؤال معبد له، بهذه الطريقة الاستفزازية، كان المقصود منه ضمه إلى رأيه حتى يكتسب أنصارا من كبار التابعين أمثال الحسن. وسرعان ما استجاب الحسن لرأي معبد بعد أن صاغه تلك الصياغة التي توائم بينه وبين الايمان المطلق بقدرة الله. وأغلب الظن أن قتل معبد على قوله كان له دخل كبير في تمسّك الحسن بقوله والمجاهرة به، بعد أن كان لا يقوله إلّا في خاصته.

وقد وصلتنا عن الحسن رسالة في نفي القدر ترجع إلى عصر عبد الملك بن مروان. وينكر الشهرستاني نسبة هذه الرسالة إلى الحسن، وينسبها إلى واصل بن عطاء، على أساس «أن الحسن ما كان ممن يخالف السلف في أن القدر خيره وشره من الله تعالى» وهو قول ينكره ما أوردناه لابن قتيبة سالفا وهو مصدر أقدم من الشهرستاني. ومن جهة أخرى فسواء نسبت الرسالة للحسن أو لواصل بن عطاء، فإن دلالتها على ما نحن بصدده تظلّ قائمة.

وتبدو أهمية الرسالة فيما تثيره من اعتراض عبد الملك بن مروان، فالرسالة رد على تساؤل من عبد الملك بن مروان وجهه للحسن حول ما بلغه عنه من أنه يقول بالقدر. ولم يكن عبد الملك بن مروان بالساذج حتى يفعل بالحسن ما فعله بمعبد الجهني، فالحسن بزهده وورعه وتقواه قد يثير سخط العامة، ولذلك يلجأ عبد الملك إلى أسلوب النقاش «وقد كان أمير المؤمنين يعلم منك صلاحا في حالك،

وفضلا في دينك ودراية للفقه، وطلبا له وحرصا عليه. ثم أنكر أمير المؤمنين هذا القول من قولك، فاكتب إلى أمير المؤمنين بمذهبك، والذي به تأخذ، أعن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أم عن رأي رأيته؟ أم عن أمر يعرف تصديقه في القرآن؟ فإنّا لم نسمع في هذا الكلام مجادلا ولا ناطقا قبلك» وتبدو في لهجة الرسالة نبرة الضيق التي ترى تناقضا بين الصلاح والفضل والفقه وبين القول بالقدر، مما يؤكّد أن انتماء الحسن إلى صف القائلين بالقدر أقلق الخليفة الأموي ودفعه لهذه التساؤلات حول أصل هذا الرأي ومنشئه في القرآن أو السنة أو آراء السلف الصالح. ولم يكن صعبا على الحسن أن يستشهد بالقرآن على صحة مذهبه، ففي القرآن آيات كثيرة تحمّل الانسان مسئولية فعله. ويلجأ الحسن إلى تأويل تلك الآيات الأخرى التي توهم بالجبر، وهذه مسألة سنتعرّض لها في الفصل الخاص بالتأويل والمجاز. أمّا الذي نريد التركيز عليه الآن فهو لمز الحسن لمعاصريه على قولهم بالجبر «وقد أدركنا، يا أمير المؤمنين، السلف الذين عملوا بأمر الله، ورووا حكمته، واستنوا بسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم، فكانوا لا ينكرون حقا ولا يحقون باطلا، ولا يلحقون بالرب، تبارك وتعالى إلّا ما ألحق بنفسه، ولا يحتجون إلّا بما احتج الله به على خلقه في كتابه» ثم ينتهي إلى أنه «لمّا أحدث المحدثون الكلام في دينهم ذكرت من كتاب الله خلافا لما قالوا وأحدثوا» والحسن في هذا الرد يتهم معاصريه بأنهم أحدثوا بالقول الجبر قولا لم يقل به أحد من السلف الصالح، وألحقوا بالرب ما لم يلحق بنفسه من نسبة معاصيهم إليه، فكان عليه أن يتصدّى لهم، ويكشف عن زيف معتقدهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت