وقد يبدو هذا الرأي الذي أثاره واصل في مرتكب الكبيرة مذهبا رابعا يضاف إلى
المذاهب الثلاثة السابقة عليه. ومن الواضح أن هذا المذهب ليس مذهبا محايدا كما ذهب إلى ذلك نللينو كما أنه ليس خروجا عن الإجماع كما ذهب إلى ذلك كل خصوم المعتزلة. فواصل يتفق مع الخوارج في خلود مرتكب الكبيرة في النار، ويشترط عدم التوبة. وهو شرط لا يجعله مخالفا لهم وإن لم ينصوا عليه. وسلوك الخوارج العملي في استتابة مخالفيهم يؤكّد الاتفاق بينهم وبين واصل في هذه النقطة. وهو لم يتفق مع المرجئة الذين يجعلونه مؤمنا ويفتحون أمامه باب الأمل في رحمة الله الواسعة. ويبدو أن خلاف واصل مع أستاذه بحسب ما تتيحه المصادر هو خلاف في التسمية فقط. ومعنى ذلك كله أن واصلا في حكمه على مرتكب الكبيرة إذا أضفنا شرط التوبة يتفق مع الخوارج ويختلف مع المرجئة.
وفيما يرتبط بمسألة اطلاق الأسماء، يبدو أن واصلا كان يسعى لتوحيد الحكم على مرتكب الكبيرة بين الفرق المختلفة بدلا من هذا الخلاف في تسميته والحكم عليه. وكان اشتراط التوبة هو الحل السعيد لطرفي النقيض بين الخوارج والمرجئة، فالتوبة تمثّل باب الأمل المشروط عند واصل، بدلا من الباب المفتوح على مصراعيه عند المرجئة. وينكر الخياط خروج واصل في قوله في مرتكب الكبيرة عن الإجماع بقوله «وجد الأمة مجمعة على تسمية أهل الكبائر بالفسق والفجور، مختلفة فيما سوى ذلك من أسمائهم، فأخذ بما أجمعوا عليه وأمسك عمّا اختلفوا فيه. وتفسير ذلك أن الخوارج وأصحاب الحسن كلهم مجمعون على أن صاحب الكبيرة فاسق فاجر. ثم تفرّدت الخوارج وحدها فقالت: هو مع فسقه وفجوره كافر. وقالت المرجئة وحدها: هو مع فسقه وفجوره مؤمن. وقال الحسن ومن تابعه: هو مع فسقه وفجوره منافق. فقال لهم واصل: قد أجمعتم أن سميتم صاحب الكبيرة بالفسق والفجور، فهذا اسم له صحيح بإجماعكم وقد نطق به القرآن في آية القاذف وغيرها من القرآن فوجب تسميته به» . وهذا الموقف الذي اتخذه واصل من مرتكب الكبيرة وقفه الشيعة الزيدية فيما يقول صاحب المقالات.
أمّا الحكم على المتحاربين: علي وطلحة والزبير، وكذلك على عثمان وقاتليه فقد كان أيضا محل خلاف بين الخوارج والشيعة من جانب، وبين الشيعة بفرقها المختلفة من جانب آخر. ذهبت الشيعة إلى تكفير كل من حارب عليا وتخطئته، بل غالى بعضهم وخاض في أبي بكر وعمر وشكك في أحقيتهما للخلافة، وذهبت الخوارج كذلك إلى تخطئة عثمان في أواخر خلافته وكذلك خطئوا عليا بعد قبوله التحكيم، ولم ينج من أحكامهم أحد من مخالفيهم كما سبقت الاشارة. أمّا موقف واصل من عثمان «فقد توقف فيه وفي خاذليه وقاتليه وترك البراءة من واحد
منهم وذلك أنه قد صحّت عنده لعثمان أحداث في الست الأواخر فأشكل عليه أمره فأرجأه الى عالمه» ونفس الموقف يقفه هو وزميله عمرو بن عبيد من علي ومحاربيه طلحة وعائشة والزبير «فقد كان القوم عندهما أبرارا أتقياء مؤمنين قد تقدّمت لهم سوابق حسنة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهجرة وجهاد وأعمال جميلة، ثم وجداهم قد تحاربوا وتجالدوا بالسيوف فقالا: قد علمنا أنهم ليسوا بمحقين جميعا، وجائز أن تكون إحدى الطائفتين محقة والأخرى مبطلة ولم يتبين لنا من المحق منهم من المبطل فوكّلنا أمر القوم إلى عالمه، وتولينا القوم على أصل ما كانوا عليه قبل القتال، فإذا اجتمعت الطائفتان: قلنا: قد علمنا أن إحداكما عاصية لا ندري أيكما هي»