[45] وأنشد أبو عليّ [533] لمعدان بن مضرّب الكندي: [الطويل]
إن كان ما بلّغت عنّي فلامني ... صديقي وشلّت من يديّ الأنامل
وكفّنت وحدي منذرا بردائه ... وصادف حوطا من أعاديّ قاتل
وهذا الشعر لمعدان بن جوّاس بن فروة السّكونيّ ثم الكنديّ بلا اختلاف، ولا يعلم شاعر اسمه معدان بن مضرّب، إنّما هو حجيّة بن المضرّب، وهو أيضا سكونيّ، وابن ابن أخيه شاعر أيضا: جوّاس بن سلمة بن المنذر بن المضرّب، وهذا مما التبس حفظه على أبي على رحمه الله وقوله: وكفّنت وحدى أي: بكوني غريبا لا أجد معينا. ومنذر ابنه، وحوط أخوه، وقوله: بردائه أي: لا يجد سواه، وهذا يحقّق الغربة. وشبيه بهذا قول امرئ القيس:
[الطويل]
فإما تريني في رحالة جابر ... على حرج كالقرّ تخفق أكفاني
يريد ثيابه التي أيقن أنه سيكفّن فيها حين سمّ وليس يجد سواها وإنما قال: من أعاديّ، ولم يقل: من أعاديه، لتكون الفجيعة أعظم، والمصيبة أكثر.
* * * [46] وأنشد أبو علي رحمه الله [534] لأعرابيّ: [الطويل]
وفي الجيرة الغادين من بطن وجرة ... غزال أحمّ المقلتين ربيب
فلا تحسبي أن الغريب الذي نأى ... ولكنّ من تنأين عنه غريب
هذا ممّا قدمناه أنّ أبا عليّ رحمه الله إذا جهل قائل الشعر نسبه إلى أعرابي. وهذا الشعر لشاعر إسلاميّ حضريّ مدنيّ. غذي بماء العقيق لم يدخل بادية قطّ، وهو الأحوص بن محمد الأنصاري رضي الله عنه وكذلك الشعر الذي أنشد بعده لأعرابي وهو: [الطويل]
هجرتك أيّاما بذي الغمر إنّني ... على هجر أيّام بذي الغمر نادم
وإني وذاك الهجر لو تعلمينه ... كعازبة عن طفلها وهي رائم
يروى للأحوص أيضا.
* * * [47] قال أبو علي رحمه الله [537] [1] : اجتمع خمس جوار من العرب فقلن:
هلممن فلننعت خيل آبائنا وذكر حديثهنّ إلى قول إحداهنّ: جريها انثرار وتقريبها انكدار وفسّره فقال: إنثرار كأنّه انفعال من ينثره نثرا، هذا وهم بيّن! وأين علم أبي على رحمه الله بالتصاريف ونون انفعال زائدة وإنما انثرار من الثرّ، وهو الغزير الكثير ومنه قولهم: «عين ثرّة» ويحتمل أن يكون افعلالا من نثر إن كان مسموعا.
(1) كذا، وقد ساق ذلك أبو علي بإسناده، عن ابن الكلبي، عن أبيه فذكره.