(أن يغتفر ذلك في جنب ما قربت عليه من البعيد ورددت عليه من الشريد وأرحته من التعب وصيرت القاصي يناديه من كثب) الغفر الستر، أي: أسأل من وصف بحسن السجية، والسلامة من الحسد أن يستر ما اطلع عليه من سهو وخطأ في جنب ما ذكرته من المحاسن، أي يجعل المساوئ مدفونة في جانب المحاسن بحيث يكون هذا الجانب مغطيا لتلك وساترا لها، وفيه إشارة إلى أن إماتة المساوئ بالإعراض عنها من حيث جعلها كالمقبور في الرمس (1) ، وآثر يغتفر على يغفر للمبالغة في الستر، والشريد: الطريد، والقاصي بالصاد المهملة: البعيد، وهو صفة للمعنى، وإسناد ينادي إلى ضميره مجاز، والكثب القرب بفتح الكاف والثاء المثلثة.
(وأن يحضر قلبه أن الجواد قد يكبو وأن الصارم قد ينبو وأن النار قد تخبو) أن يحضر معطوف على أن يغتفر، وهو مفعول سائل الثاني، وأن الجواد قد يكبو مفعول يحضر، وما بعده
(1) الرمس: هو القبر، وما يحثى على الميت من التراب، وأصله الدخن وحثي التراب عليه، يقال: رمسه بالتراب. اه. انظر: اللسان، مادة / رمس /، وتاج العروس، مادة / رمس /.
وأن الإنسان محلّ النسيان، وأن الحسنات يذهبن السيّئات [من الطويل] :
1 ـ ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلّها ... كفى المرء نبلا أن تعدّ معايبه
معطوف عليه والأخير معطوف على الثاني أو الأول على الخلاف الذي سبق ذكره، وفيه تلميح بالإشارة إلى أمثال للعرب مشهورة، والجواد الفرس الجيد كبا يكبو سقط يسقط، والصارم السيف القاطع، ونبا ينبو، إذا لم يعمل في الضريبة، والنار مشتقة من نار ينور إذا نفر، لأن فيها حركة، واضطرابا، وخبت النار تخبو إذا طفئت، يعني: أنه إذا استحضر أن هذه الأمور مع رفعة مقدارها لا يحطها ما قد تتصف به مما لا يناسب مقامها اغتفر للمصنف ما قد يقع منه من هفوة.