ما وهم فيه أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ [1]
سمعت من يحكى عن ابن دريد ولم أسمع هذه الحكاية منه أنه قال:
وجدت للجاحظ في كتاب «البيان والتبيين» تصحيفا شنيعا، في الموضع الذى يقول فيه: حدثنى محمد بن سلّام، قال: سمعت يونس يقول: ما جاءنا عن أحد من روائع الكلام، ما جاءنا عن النبىّ صلى الله عليه وسلم، قال أبو بكر:
[45ب] وإنما هو عن البتّىّ، وكان فصيحا، فأمّا النبىّ صلى الله عليه وسلم، فلا شكّ عند الملّىّ والذّمّىّ أنه كان أفصح الناس.
أخبرنا ابن دريد، حدثنا أبو حاتم، عن الأصمعىّ، قال: كان عثمان البتّىّ نحويّا [2] ، وكان يسمى عثمان العربىّ من فصاحته، فسمعه ابن أبى إسحاق ينشد: كورهاء [3] مسنىّ إليها حليلها
فقال: أخطأ عربيّكم، وإنما هو مشنوء [4] .
(1) الجاحظ: هو أبو عثمان عمرو بن بحر الكنانى البصرى، الملقب بالجاحظ لجحوظ عينيه. وكان يقال له الحدقى. ولد بالبصرة، ونشأ بها، وأكب على تحصيل علوم الأدب، فبرع حتى أصبح نادرة زمانه: واستقدمه المتوكل لتأديب بعض ولده، فلما رآه استبشع منظره، فأمر له بعشرة آلاف درهم وصرفه. وعمل في ديوان الرسائل للخليفة المأمون، ولكن معاملة الكتاب له، وبخاصة سهل بن هارون، لم تتح له البقاء أكثر من ثلاثة أيام. وكان الجاحظ معتزليا، وله فرقة تسمى الجاحظية نسبة إليه.
وللجاحظ مصنفات عدة: منها: البيان والتبيين، والبخلاء، والحيوان. وله رسائل كثيرة. وقد قال أبو الفضل بن العميد فيه: «كتب الجاحظ تعلم العقل أولا، والأدب ثانيا» .
وقد عمر طويلا، وفلج في آخر عمره، فكان يقول: اصطلحت على جسدى الأضداد، إن أكلت باردا أخذ برجلى، وإن أكلت حارا أخذ برأسى، وأشد ما على ست وتسعون سنة، وكان ينشد:
أترجو أن تكون وأنت شيخ ... كما قد كنت أيام الشباب
لقد كذبتك نفسك ليس ثوب ... دريس كالجديد من الثياب
وتوفى سنة 252هجرية.
(2) هو أبو عثمان بن هرمز من أهل البصرة، ويقال إن اسم جده جرموز البتى، نسبة إلى البت، لأنه كان يتجر فيها.
(3) الورهاء: الحمقاء.
(4) فى اللسان مادة: شنا، بالتسهيل وحكى اللحيانى: رجل مشنى، ومشنو: مبغض، لغة في مشنوء وأنشد: