ومهما يكن من شيء فإن أغلب تلك الروايات تذكر لأبي الأسود الدؤلي دورا هاما في ذلك المجال، لكن بعضها يشير إلى أنه رسم أبوابا من النحو فحسب وبعضها ينص على أنه نقط المصاحف والبعض الآخر ينسب كلا العملين لأبي الأسود، والملاحظ أن الروايات التي تذكر نقط المصاحف ترجع جميعها إلى فترة ولاية زياد بن أبيه على البصرة (5344هـ) [1] .
ومن أمثلة الروايات التي تتحدث عن بداية النحو ونقط المصاحف ما رواه أبو بكر الأنباري قال: حدثني أبي قال حدثنا أبو عكرمة قال: قال العتبي: كتب معاوية إلى زياد يطلب عبيد الله ابنه، فلما قدم عليه كلّمه فوجده يلحن فرده إلى زياد، وكتب إليه كتابا يلومه فيه ويقول: (أمثل عبيد الله يضيّع) ، فبعث زياد إلى أبي الأسود فقال له: يا أبا الأسود، إن هذه الحمراء قد كثرت وأفسدت من ألسن العرب فلو وضعت شيئا يصلح به الناس كلامهم ويعربون به كتاب الله فأبى ذلك أبو الأسود وكره إجابة زياد إلى ما سأل، فوجه زياد رجلا وقال له: اقعد في طريق أبي الأسود فإذا مر بك فاقرأ شيئا من القرآن وتعمّد اللحن فيه ففعل ذلك، فلما مرّ به أبو الأسود رفع الرجل صوته يقرأ (إن الله بريء من المشركين ورسوله) قرأها بجرّ رسوله فاستعظم ذلك أبو الأسود وقال:
عزّ وجه الله أن يبرأ من رسوله، ثم رجع من فوره إلى زياد فقال له: يا هذا قد أجبتك إلى ما سألت، ورأيت أن أبدأ بإعراب القرآن فابعث إليّ بثلاثين رجلا، فأحضرهم زياد فاختار منهم أبو الأسود عشرة، ثم لم يزل يختارهم حتى اختار منهم رجلا من عبد القيس، فقال خذ المصحف وصبغا يخالف لون المداد، فإذا فتحت شفتي فانقط واحدة فوق الحرف، وإذا ضممتها فاجعل النقطة إلى جانب الحرف، وإذا كسرتها فاجعل النقطة في أسفله، فإن أتبعت شيئا من هذه الحركات غنة فانقط نقطتين، فابتدأ بالمصحف حتى
البركات الأنباري: ص 4وما بعدها، والقفطي: ج 1، ص (94) ، وابن خلكان: ج 2، ص (216 217) ، والسيوطي: المزهر، ج 2، ص 398، ورسالة في سبب وضع علم اللغة (له) ، ص (49 53) .
(1) تذكر بعض المصادر أن بعض أحداث تلك الروايات قد وقع بين أبي الأسود وبين عبيد الله بن زياد (ت 67هـ) ، انظر أبو الفرج الأصبهاني: ج 12، ص 303، والسيرافي: ص 17، والسيوطي:
سبب وضع علم العربية، ص 52.