على عاتق علمائها النهوض بمهمة تكميل الرسم العثماني والكتابة العربية ووضع علامات الحركات، وقد قال ابن سلام الجمحي [1] : «وكان لأهل البصرة في العربية قدمة، وبالنحو ولغات العرب والغريب عناية، وكان أول من استنّ العربية، وفتح بابها وأنهج سبيلها، ووضع قياسها أبو الأسود الدؤلي وهو ظالم بن عمرو بن سفيان وكان رجل أهل البصرة» . وتقدم المصادر العربية روايات كثيرة عن أول من بدأ بتقعيد القواعد والأسباب التي دفعت إلى ذلك حتى لقد جمع منها السيوطي رسالة سماها: (سبب وضع علم العربية) [2] . وأغلب تلك الروايات تشير إلى أبي الأسود الدؤلي وأنه أول من وضع العربية ورسم في النحو رسوما، وأنه أول من نقط المصاحف، ولا يعنينا هنا أمر ابتداء النحو كثيرا، ولا ما ورد من روايات توضح الدوافع والملابسات التي دفعت إلى ذلك إلا بالقدر الذي يتصل باختراع طريقة تمثيل الحركات القصيرة بواسطة النقط.
وتكاد الروايات المتعلقة ببداية النحو ونقط المصاحف تتفق في مضمونها، فهي تشير دائما إلى خطأ لغوي قد وقع من بعض المتكلمين في كلامهم أو في تلاوة بعض الآيات الكريمة وذلك نتيجة لضعف في السليقة اللغوية وعدم مساعدة الكتابة العربية آنذاك على تحقيق القراءة الصحيحة وتجنب الخطأ، فتذكر بعض الروايات أن أبا الأسود الدؤلي سمع ابنته تلحن فدفعه ذلك إلى التفكير في عمل شيء يقي الناس من اللحن، وتذكر مصادر أخرى أن أبا الأسود سمع رجلا فارسيا اسمه سعد وقد لحن في كلامه فضحك منه من سمعه، وبعضها يذكر أن زيادا أمير البصرة سمع لحنا فاحشا من قوم حضروا عنده، فطلب من أبي الأسود أن يضع للناس ما يمنعهم من الخطأ في كلامهم.
وتشير بعض الروايات إلى أن أبا الأسود سمع بعض من يخطئ في القراءة فدفعه ذلك إلى نقط المصحف ووضع أبواب في النحو. وتذكر بعض المصادر أن أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه سمع لحنا في العراق فأمر أبا الأسود أن يضع للناس النحو، أو أنه دفع إليه صحيفة فيها بعض من ذلك وأمره أن ينحو نحوها [3] .
(1) طبقات فحول الشعراء، ص 12.
(2) طبعت ضمن التحفة البهية باستانبول، 1302هـ، وهي الرسالة الرابعة، من ص (5349) .
(3) انظر تفصيل تلك الروايات: أبو الطيّب اللغوي: عبد الواحد بن علي: مراتب النحويين، مكتبة نهضة مصر، القاهرة، 1955، ص 6وما بعدها. وأبو الفرج الأصبهاني: مج 12، ص (202 304) ، والسيرافي: ص (1815) ، وأبو بكر الزبيدي: ص (1514) ، وابن النديم: ص 40، وأبو