قلت: من القواعد الأصولية أنه إذا تعارض خاص مع عام خصص من أفراد العموم ما تناوله ذلك الخاص، وبقي ماعداه مما تناوله لفظ العموم مشمولًا بالحكم الأصلي، مثال ذلك قوله تعالى: ?وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ? [المائدة: من الآية45] خصص منه الوالد فلا يُقتل بالولد والمسلم فلا يُقتل بالكافر، والحر فلا يقتل بالعبد، وبقي ماعدا ذلك، فلا يقال أن منع القصاص في هذه الثلاثة مبطل لحكم القصاص بالكلية، ومثل ذلك يقال في الغناء واللهو. فإباحة الغناء والدف في الأعياد والأعراس على هيئة مخصوصة وبصفة مخصوصة، لا يكون مبيحًا للغناء بجميع أنواعه واللهو بجميع آلاته، وهذا لا يقوله إلا جاهل أو مكابر.
ولهذا قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: واستدل جماعة من الصوفية بحديث الباب على إباحة الغناء بآلة وبغير آلة، ويكفي في رد ذلك تصريح عائشة -رضي الله عنها- في الحديث الثاني بقولها: وليستا بِمغنيتين. فنفت عنهما من طريق المعنى ما أثبته لهما اللفظ، لأن الغناء يطلق على رفع الصوت، وعلى الترنم الذي تسميه العرب النصب، بفتح النون وسكون المهملة وهو الحداء، ولا يسمى فاعله مغنيًا، وإنما يسمى بذلك من ينشد بتمطيط وتكسير، وتَهييج وتشويق، بما فيه من تصريح بالفواحش أو تعريض، قال القرطبي: وليستا بمغنيتين. أي ليستا ممن يعرف الغناء كما يعرفه المغنيات المعروفات بذلك، وهذا منها تحرز عن الغناء المعتاد عن المشتهرين به، وهو الذي يحرك الساكن، ويبعث الكامن، وهذا النوع من الشعر إذا كان فيه وصف النساء والخمر وغيرهما من الأمور المحرمة لا يختلف اثنان في تحريمه. ا'.