وأي فائدة تترتب على هذا في الدين ؟! ولا يخل إما نفرض مسألة في دين الله فهذا لايحسن منا إذ لم نف بالقدر الذي أمرنا به ! فكيف نزيد عليه مع شدة التقصير فيما وجب علينا ومباشرة ما نهينا عنه؟!
وإذا تأمل الناظر هذه الحالة وجدها في كل الفنون فإنه قد خلط ما لاحاجة فيه فيما مست إليه الحاجة , وكثرت الزيادة في الكلام مع وقوع النقص في أفعال الخير , واشتد التحري في تحرير العبارات مع التساهل في كسب الطاعات , فترى من يريد كتب التفسير ك"الكشاف"لا يصل إليه إلا بعد معرفة علوم شتى وكتب عديدة , وقد ذكر جار الله -رحمه الله تعالى- القدر المحتاج إليه من أراد فهم كتابه وهو مقدار عزيز الوجود واسع الدائرة قد لايمكن الوصول إليه من الذكي المتفرغ الكامل , فكيف يبلغ إليه من هو كثير الإشتغال بارد الهمة بعيد الفهم , بل الوصول إلى ما توصل إليه كاد ان يتعذر , ومن أراد تحقيق هذا طالع خطبة"الكشاف"لينظر ما حصل له بنهاية ما يقف عليه بعد هذا التعب أن يعرف ما في الآية من الحقيقة والمجاز وأما القرينة الصارفة وما حوته من أقسام الإستعارة إلى غير هذا من دقائق المعاني التي تذهل اللب اللبيب ويتخيل الناظر لها أنها ترتفص لها الجمادات , والقرآن حمال ذو وجوه , لكن السلف الأول إذا مرت بأحدهم الآية أكسبته معانيها الغرض المقصود وإذا جمع مثلا قول الحق جل شأنه (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلنه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون) "يونس:24"يفهم من هذا حقارة الدنيا والتزهيد والترغيب عنها , وتتفكر في قوله (أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الأخرة عذاب