ويتابع غير إمامه [1] .
ولهذا أكثر أهل الأهواء في المنتسبين إلى أهل الكوفة؛ لقلة نصوصهم المفصلة في ذلك. لكن اعتاضوا عن ذلك بما وضعوه من الفروع المولّدة، فإنهم ولّدوا من تفريع الحوادث ما لم يفرّعه غيرهم، ولهذا قال الشافعي: من أراد الفقه فهو عيال على أبي حنيفة [2] . في تفريع المسائل لا في معرفة الدلائل. وهذا الذي بين مالك والشافعي من يرجح هذا من وجه، ومن يرجح هذا من وجه في الأصلين كما بينهما في الفقه.
والشافعي اتبع النصوص المفصلة لا يخالف حديثًا صحيحًا عمدًا قط، بخلاف مالك في هذا الباب. لكن مالك ضبط من فرائد الشريعة ومقاصدها ما لم يضبطه الشافعي من السياسات والمعاملات ورعاية المقاصد والنيات، وهذا أشبه بأصول الدين، كما أن الأحاديث المفصلة أشبه بأصول الفقه.
(1) ولهذا كثر في بعضهم البدع؛ لكونهم أخذوها عن غير السلف، فتجد مثلًا شافعيًّا أشعريًّا أو صوفيًّا أو خارجيًّا، والإمام الشافعي بريء من ذلك، وهذا بسبب عدم اعتصامهم بالوحي، وتعصبهم لإمامهم بكل ما قال، وبما أن إمامهم لم يرد عنه نص بمسألة في أصول الدين قاموا وأخذوها عن غيره من أهل الأهواء، ولم يرجعوا إلى كلام السلف، فاجتمع فيهم التقليد الأعمى والأهواء المضلة وسوء الظن بالسلف الصالح، ومنهم من سلك طريقًا مبتدعًا وترك نصوص إمامه التي صرّح في ذمها. فحقيقة الاعتصام هو التمسك بما كان عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فإن فيه الهداية والنجاة، قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى في «أصول السنة» (ص14) : أصول السنة عندنا: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والاقتداء بهم.
(2) انظر «آداب الشافعي ومناقبه» لابن أبي حاتم (ص 161) .