ويقال ثالثًا: إذا كان كذلك ظهرت حجة عثمان؛ فإن عثمان يقول: إن بني أمية كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يستعملهم في حياته، واستعملهم بعده من لا يُتهم بقرابة: فيهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وعمر رضي الله عنه. ولا نعرف قبيلة من قبائل قريش فيها عمّال لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم أكثر من بني عبد شمس، لأنهم كانوا كثيرين، وكان فيهم شرف وسؤدد، فاستعمل النبي صلّى الله عليه وسلّم في عزّة الإسلام على أفضل الأرض:"مكة"عتّاب بن أسيد بن أبي العاص بن أمية، واستعمل على نجران أبا سفيان بن حرب بن أمية، واستعمل أيضًا خالد بن سعيد بن العاص على صدقات بني مذحج وعلى صنعاء اليمن، فلم يزل عليها حتى مات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، واستعمل عثمان بن سعيد بن العاص على تيماء وخيبر وقرى عُرَيْنة، واستعمل أبان بن سعيد بن العاص على بعض السرايا، ثم استعمله على البحرين فلم يزل عليها بعد العلاء بن الحضرمي حتى تُوفي النبي صلّى الله عليه وسلّم، واستعمل الوليد بن عقبة بن أبي معيط حتى أنزل الله فيه: { إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ } ... الآية [الحجرات: 6] .
فيقول عثمان: أنا لم استعمل إلا من استعمله النبي صلّى الله عليه وسلّم منهم ومن جنسهم ومن قبيلتهم، وكذلك أبو بكر وعمر بعده، فقد ولَّى أبو بكر يزيد بن أبي سفيان بن حرب في فتوح الشام، وأقرَّه عمر، ثم ولَّى عمر بعده أخاه معاوية.
وهذا النقل عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في استعمال هؤلاء ثابت مشهور عنه، بل متواتر عند أهل العلم، ومنه متواتر عند علماء الحديث، ومنه ما يعرفه العلماء منهم، ولا ينكره أحد منهم.