ولهذا اتفق أهل العلم - أهل الكتاب والسُّنَّة - على أن كل شخص سوى الرسول فإنه يؤخذ من قوله ويُترك، إلا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فإنه يجب تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، فإنه المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يُوحى، وهو الذي يُسأل الناس عنه يوم القيامة كما قال تعالى: { فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ } [الأعراف: 6] .
وهو الذي يُمتحن به الناس في قبورهم، فيُقال لأحدهم: مَن ربك؟ وما دينك؟ ومَن نبيك؟ ويُقال: ما تقول في هذا الرجل الذي بُعثَ فيكم؟ فيثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت، فيقول: هو عبد الله ورسوله، جاءنا بالبيّنات والهُدى فآمنّا به واتّبعناه. ولو ذكر بدل الرسول من ذكره من الصحابة والأئمة والتابعين والعلماء لم ينفعه ذلك، ولا يُمتحن في قبره بشخص غير الرسول.
والمقصود هنا أن ما يُعتذر به عن عليّ فيما أنكر عليه يُعتذر بأقوى منه عن عثمان، فإن عليًّا قاتل على الولاية، وقُتِلَ بسبب ذلك خلقٌ كثير عظيم، ولم يحصل في ولايته لا قتال للكفار، ولا فتح لبلادهم، ولا كان المسلمون في زيادة خير، وقد ولَّى من أقاربه من ولاّه، فولاية الأقارب مشتركة، ونوَّاب عثمان كانوا أطوع من نوَّاب عليّ وأبعد عن الشر.
وأما الأموال التي تأوَّل فيها عثمان، فكما تأوَّل عليّ في الدماء. وأمر الدماء أخطر وأعظم.
ويقال ثانيًا: هذا النصّ الذي تدّعونه أنتم فيه مختلفون اختلافًا يُوجب العلم الضروري بأنه ليس عندكم ما يُعتمد عليه فيه، بل كل قوم منكم يفترون ما شاءوا.
وأيضًا فجماهير المسلمين يقولون: إنّا نعلم علمًا يقينًا، بل ضروريًا، كذب هذا النصّ، بطرق كثيرة مبسوطة في مواضعها.