كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من القراءة، سكت قليلًا ثم كبَّر ورفع يديه وركع، وثبَّت كفيه على ركبتيه، وجافى مرفقيه عن جنبيه، وسوى ظهره ورأسه من غير رفع ولا تنكيس وقال:"سُبْحَانَ ربي العظيم، ثلاثًا. وفي بعض الأحيان كان يضم إلى ذلك"سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ ربنا وبِحَمْدِكَ. اللَّهُمَّ اغْفر لي"وقد يقتصر على هذا، وطول ركوعه في الغالب كان قدر قول القائل:"سبحان ربي العظيم"عشر مرات، والسجود قريب من ذلك، وأما حديث البراء في الصحيحين"رمقت الصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان قيامه وركوعه واعتداله وسجدته وجلسته ما بين السجدتين قريبًا من السواء"فإنه محمول على أنه كان يطوِّل الركوع والسجود، حيث كان القيام طويلًا، ويخفف الركوع والسجود حيث كان خفيفًا، وهذا التأويل متعين، لأنه كان أحيانًا يقرأ سورة الأعراف فلو كان الركوع والسجود والجلسة مقدار ذلك لتمَّت الصلاة في نصف الليل، لكن في الصحيح أنه كان ركوعه وسجوده في بعض الأحيان قريبًا من القيام، كما في صلاة الخسوف والكسوف، وفي التهجد أحيانًا، إلاَّ أنه كان غالب حاله الاعتدال كما بيناه، وكثيرًا ما قال في ركوعه وسجوده:"سبوح قدوس رب الملائكة والروح"."
الصفحة (( 18 ) )
وفي بعض الأحيان كان يقول:"اللهم لك ركعت، ولك خشعت، وبك آمنت، وعليك توكلت ولك أسلمت. خشع لك سمعي وبصري ومخي وعصبي وعظمي". وهذا كان في صلاة التهجد، وكان إذا رفع رأسه من الركوع، رفع يديه وقال:"سمع الله لمن حمده"، وقد ثبت رفع اليدين في هذه المواضع الثلاثة، ولكثرة رواته شابه المتواتر، فقد صح في هذا الباب أربعمائة خبر وأثر، ورواه العشرة المبشرة. ولم يزل صلى الله عليه وسلم على هذه الكيفية حتى رحل عن هذا العالم، ولم يثبت شيء غيرها. وكان إذا رفع رأسه من الركوع استوى قائمًا، وكذا بين السجدتين.