وإنما قُدِّمَ البخاري ومسلم: لاتقاق العلماء على تلقي كتابيهما بالقبول ، وعلى أنهما أصح الكتب بعد كتاب الله عز وجل . ثم قَدَّمَ الجمهور صحيح البخاري لكون شرطه من حيث الاتصال أقوى من شرط مسلم وأشد ، لنه يشترط اللقى مع المعاصرة ، ومسلم يكتفي بمجرد المعاصرة ولكون الصفات التي تدور عليها الصحة من حيث العدالة والضبط في كتاب البخاري أتم منها في مسلم وأسد لأن الذين تكلم فيه من رجال مسلم الذين تفرد بهم دون البخاري . وذلك أن جملة الذين انفرد البخاري لهم دون: -مسلم أربعمائة وبضع وثمانون رجلًا . المتكلم فيه بالضعف منهم: ثمانون رجلًا وجملة الذين انفرد مسلم بالإخراج لهم دون البخاري:-ستمائة وعشرون رجلًا . المتكلم فيه بالضعف منهم: مائة وستون رجلًا ، مع أن البخاري لم يكثر من إخراج حديثهم بل غالبهم من شيوخه الذين أخذ عنهم ومارس حديثهم بخلاف مسلم في الأمرين ، ولأن ما انتقد على البخاري من الأحاديث التي انفرد بها أقل عددًا مما انتقد على مسلم وذلك أن جملة ما تكلم فيه من أحاديثهما: مائتان وعشرة أحاديث اشتركا في: اثنين وثلاثين واختص البخاري: بثمانية وسبعين حديثًا ، ومسلم: بمائة حديث هذا مع اتفاق العلماء على أن البخاري كان أجلَّ من مسلم وأعرف بصناعة الحديث وعلله حتى الإمام [مسلمًا] نفسه رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى أقر له بذلك وقال:"دعني أقبل قدميك يا أستاذ الأستاذين وطبيب الحديث في علله"وبعض العلماء سوَّى بينهما وبعضهم رجح البخاري من حيث الصحة ومسلمًا من حيث الصناعة رحمهما الله .