قوله: (حال من ضمير الوارد) فيه من المبالغة ما ليست في جعله مفعولًا لوارد كما تقول: ورد المنهل وإن كان الثاني أنسب بما قدمه من تقديم البيان على المبين بأن يجعل من زهاء مائة مصنف بيانًا لما بعده، والمعنى عليه أنه وصف كتابه بأنه ورد منهلًا يروى ويمير هو قريب من مائة مصنف في الأصول فروى منه وامتار. فشبه الكتب التي امتد منها كتابه بمنهل يروى ويمير من ورده، وشبه كتابه لكثرة ما فيه بمن ورد ذلك المنهل وكل منهما استعارة تحقيقية، وذكر الأرواء والمير ترشيح هذا على جعله مفعولًا وهو خلاف ما اختاره الشارح من إعرابه حالًا لأنه أبلغ كما تقدم، وعليه فيقال شبه كتابه لكثرة ما اشتمل عليه من الفوائد بالمنهل الذي يروى ويمير بجامع كثرة النفع بكل، واستعير لفظ المنهل للكتاب استعارة تصريحية، وذكر الأرواء والمير ترشيح. لا يقال: جعل يروى ويمير ترشيحًا يقتضى كونهما مستعملين في معناهما الحقيقي وقد حملهما الشارح على المجاز بدليل قوله الآتي، ومن استعمال الجوع والعطش الخ على ما سنبينه فلا يكونان حينئذ ترشيحًا. لأنا نقول: الترشيح لا يلزم أن يكون باقيًا على معناه بل يجوز فيه ذلك، وكونه مستعارًا من ملايم المشبه به الملايم المشبه، وكونه مجازًا مرسلًا كما تقرر ذلك عند علماء البيان. ثم إن ما ذكر من جعل منهلًا استعارة إنما يتمشى على مختار السعد ومن حذا حذوه في تجويزهم كون أسد من قولنا: زيد أسد استعارة للرجل الشجاع الذي زيد جزئي من جزئياته، وليس في الترتيب اجتماع الطرفين لأن المستعار له الرجل الشجاع لا زيد كما تقرر في محله. وأما على مذهب القوم الذين يرون ذلك من التشبيه البليغ لوجود الطرفين، فالجاري عليه أن يكون منهلًا تشبيهًا بليغًا بحذف الأداة لا إستعارة.
رقم الجزء: 1 رقم الصفحة: 22
قوله:
(أي كل عطشان الخ)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ