فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 42747 من 72678

ونحن نعلم أن لكل أمة ثقافتها وقيمها وذاتيتها وفاهيمها وتراثها ومزاجها النفسي الذي شكلته القرون المتطاولة والعقائد والقيم وأنه لا سبيل أن تنصهر إلا الأمم الصعيفة الذليلة، أما الأمة الإسلامية والفكر الإسلامي فإنه من المستحيل أن ينصهر أو يذوب في أي معدة مهما كانت، ذلك لأنه أعمق جذورًا وأقوى قوة من كل قوى الأرض.

يمكن أن توصف حركة الغزو الثقافي الحديثة التي بدأت تعمل في العالم الإسلامي منذ سيطرة الاستعمار الغربي، أنها امتداد متطور لهذه الحركة التي يحمل لواءها خصوم الإسلام وأعداؤه في كل عصر لإخراجه من قيمه ولإتاحة الفرص للغزو الأجنبي في السيطرة والاستعمار.

وقد ارتبطت حركة الغزو الفكري"التغريب"بالاستعمار ارتباطًا عضويًا وليس ذلك شكليًا إن حركة"تغريب الشرق"هي دعوة كاملة لها نظمها وأهدافها ودعائمها ولها قادتها الذين يقومون بالإشراف عليها. وهي حلقة من مخطط واسع في تأكيد الاستعمار ودعمه قوامها عمل استعماري فكري بعيد المدى قصد به القضائ على معالم شخصية هذه الأمة وتحويلها إلى صورة غربية الملامح لتخليصها من القيم والمثل والتراث الذي يتصل بها والذي كان عاملًا على تكوينها خلال الأجيال الطويلة فقد كان الاستعمار يفهم أنه بعد أن سيطر على العالم الإسلامي بجيوشه وقواه العسكرية ونفوذه السياسي لابد يومًا أن ينسحب فكان لابد من وضع مخطط دقيق لإبقاء نفوذه في المناطق التي احتلها وكان لابد له أن يبقى حتى تتكون له طلائع تخلفه من أهل الأقطار نفسها، يؤمنون بفكره، ويسيرون في اتجاهه، ويخدمون مصالحه يكونهم عن طريق التعليم في مدارسه، ووفق أهدافه، وتكون أمانتهم له أكثر من أمانتهم لأوطانهم.

وليس كل من تثقف بالغرب، أو اتصل بالمستشرقين ودوائر الفكر الغربي كذلك. وليس كل من اتصل بالغرب وآمن به استمر على إيمانه، فإن الحقائق لا تلبث أن تنكشف عن زيف الاستعمار ومغالطته، فلا يلبث الأمر أن يظهر أن هناك خداعًا قوامه كلمات براقة، وشعارات تقول بتنوير الشعوب وتمدينها وتدعو إلى الحرية أو الإخاء أو المساواة أو ما شابه ذلك، ثم لا تلبث الأحداث أو تثبت تعصب الغرب وتناقضه، وائتماره بهذه الأمة وفرض سلطانه بالحديد والنار، هناك تتحول الأفكار عنه ويكفر به من كان قد خدع يومًا.

ولسنا في هذا الرأي نذهب إلى الغض من شأن الفكر الغربي أو نصرف وجوهنا عنه بل على العكس من ذلك، نحن لا نراه فكرًا غريبًا وإنما نراه فكرًا إنسانيًا في الأساس وأن انحرف في بعض مفاهيمه ونحن لا نقفل أبوابنا أمام الثقافات العالمية شرقية وغربية فقد شاركنا فيها، وكان لنا دورنا الكبير في بناء هذه الحضارة، دورنا غير المنكور عند المنصفين من كتاب الغرب ومفكريه.

ولكننا قبل أن نفتح الأبواب لكل الثقافات لابد أن نكون من متانة الاستعداد النفسي والذهني والروحي بحيث لا تبتلعنا ثقافات الأمم ولا تحولنا وجهة غير طريقنا، ولا تفسد معالم شخصيتنا الأساسية الواضحة.

فلقد نقلت أوربا ثقافتنا الإسلامية وأقامت عليها أسس حاضرتها ومع ذلك لم يتحجول وجهها عربيًا أو إسلاميًا أو شرقيًا.

كذلك نحن، أمة مقوماتها وكيانها ووجهها ذو الملامح الواضحة، فلابد أن يبقى هذا"الأساس"ثم لنأخذ ما نشاء من حضارات الأمم وثقافاتها، وما يزيد شخصيتنا قوة وحياة ويدفعنا إلى الأمما في ركب الحضارة.

ولعل"حركة التغريب"لم تكن قاسية إلا بالنسبة لهذا الأمر فقد كانت صيحتها على لسان دعاتها وأتباعهم من كتابنا، إن الحضارة الغربية كل لا يتجزأ وأنه لابد من أخذها جميعها أو تركها جميعًا وهذا رأي مدخول فيه من الخطأ والاستهانة بالفكر نفسه ما فيه. فما من أمة تستطيع أن تأخذ كل ما عند الأمة الأخرى، ولقد عاشت الأمم تتقارض الحضارات وتقتبس الثقافات دون أن تتحول عن طوابعها الأساسية.

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت