فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 1290

أقول وهذه الحجة من أقوى الحجج العقلية التي لا يرتاب فيها عاقل, لأن الكذب رذيلة يتنزه عنها كل أنسان له شرف ومروءة وقد رأينا أن أبا سفيان بن حرب على كفره وطغيانه ورغبته في محاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبذله في ذلك كل مرتخص وغال لم يرض لنفسه أن يكذب على عدوه أمام هرقل ومن سما بنفسه وضن شرفه ومروءته, فامتنع من الكذب على الناس يستحيل أن يسمح لنفسه بالكذب على الله, ولما رأى عبد الله بن سلام الحبر الأسرائيلي وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فما هو إلا أن رأيته فعلمت أن وجهه ليس بوجه كاذب . أ هـ .

البرهان الثامن: قال هرقل لأبي سفيان فهل يغدر ؟ قال أبو سفيان: لا, ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها, قال ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئًا غير هذه الكلمة, قال هرقل وسألتك هل يغدر ؟ فذكرت أن لا, وكذلك الرسل لا تغدر . أ هـ .

استدل هرقل في جملة ما استدل به على صدق النبي صلى الله عليه وسلم بتنزهه عن الغدر, فالملوك والرؤساء, قد يغدرون إذا وجدوا فرصة في إهلاك عدوهم يخافون أن لا يجدوا مثلها .

أما الرسل عليهم الصلاة والسلام فإنهم منزهون عن الغدر لأن دعوتهم إلى مكارم الأخلاق تتنافى مع الغدر ولا تجتمع معه البتة, ولأن الله ضمن لهم النصر وجعل لهم العاقبة فلا حاجة بهم إلى الغدر لأنهم واثقون بوعد الله كما قال تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ وقول أبي سفيان فلم تمكني كلمة أدخل فيها شيئًا غير هذه الكلمة يدلنا على شدة بغضه للنبي وحرصه أن يتنقصه ما استطاع إلى ذلك سبيلًا, فإن أقراره بهذه الفضائل حجة عليه وعلى كل مخالف, وقوله منه ونحن في مدة أي في معاهدة على الهدنة لا ندري أيفي بما عاهدنا عليه في المستقبل كما فعل في الماضي أم يغدر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت